يبدو الرئيس الأميركي بارك أوباما غارقاً مع جنرالاته العسكريين، في متاهة الحرب الأفغانية التي فجر شرارتها الغزو الذي أطلقه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قبل تسع سنوات.

أوباما الذي يحاول جاهداً الخروج من المستنقع الأفغاني بأقل خسائر ممكنة، مع حفظ ماء الوجه الأميركي في ما يعرف بالحرب على الإرهاب، تلقى الأسبوع الماضي ضربة قاتلة مع تسريب نحو 91 ألف وثيقة ترسم صورة قاتمة للحرب في أفغانستان، ما استدعى فتح تحقيق عاجل لمعرفة من سرب تلك الوثائق إلى موقع ويكيليكس على شبكة الانترنت.

الوثائق التي تجمع تقارير لعسكريين ودبلوماسيين، وتتناول طبيعة الوضع في أفغانستان خلال الفترة الممتدة من يناير 2004 إلى ديسمبر 2009، فتحت باب الانتقاد على مصراعيه، وأعطت معارضي الحرب فرصة جديدة لشن الهجوم تلو الآخر، على استراتيجية أوباما في التعاطي مع المأزق الأفغاني.

أوباما الذي واجه في الفترة الأخيرة تداعيات تهجم قائد القوات الأميركية السابق في أفغانستان ماكريستال، على الرئيس والقادة الأميركيين الآخرين علناً، ما استدعى إقالته وتعيين الجنرال ديفيد بترويوس خلفاً له، يقع اليوم تحت ضغط جديد يؤكد أن أسباب التوتر والارتباك، لا تزال قائمة داخل الإدارة الأميركية، في ضوء تلميح البعض إلى أن الوثائق التي تعكس الصورة السيئة عن مجريات الحرب الأفغانية، جرى تسريبها ربما من داخل أحد الأجهزة الرسمية الأميركية.

ورغم ان الرئيس الأميركي حاول التخفيف من حدة الضربة، بالإشارة إلى ان الوثائق لا تتضمن جديداً لم يتم التطرق إليه علناً، إلا ان انزعاج وزارة الدفاع الأميركية، وحلف «ناتو» وعدد من العواصم الغربية المشاركة في الحرب الأفغانية، يؤكد ان تلك الوثائق تتضمن ما يمثل إزعاجاً حقيقياً للقادة العسكريين والسياسيين.

فقد أظهرت الوثائق المتسربة هؤلاء القادة في موقف العاجز أمام حركة طالبان، التي ترفض كل محاولات الرئيس الأفغاني حامد قرضاي للمشاركة في السلطة، عبر مصالحة يعول بعض الأطراف الغربية عليها لإنهاء كابوس الحرب في أفغانستان.

كما ان تلك الوثائق فتحت باباً واسعاً أمام مزيد من توتر العلاقات الأميركية الباكستانية، بعد ان أشارت إلى تشكك الاستخبارات الأميركية، في قيام مثيلتها الباكستانية بلعب دور مقوض لملاحقة القوات الأميركية والأفغانية لحركة طالبان، بل واتهام الاستخبارات الباكستانية بالتعاون مع طالبان طوال السنوات الماضية، فضلاً عن الغضب الأميركي من عدم رغبة إسلام أباد في مواجهة المسلحين الذين شنوا عملياتهم قرب الحدود الأفغانية الباكستانية.

نحن إذن إزاء موقف معقد للرئيس الأميركي، الذي وعد ببدء الخروج من المستنقع الأفغاني بحلول شهر يوليو 2011، وإكمال الانسحاب في عام 2014، لكن الصورة السوداوية التي عكستها الوثائق التي نشرها موقع ويكيليكس الالكتروني، تلقي بظلال من الشك على تلك الخطة، وتضيف المزيد من عناصر الخلاف بين القادة العسكريين والسياسيين.

فالقادة العسكريون الأميركيون يطالبون بعدم استعجال الخروج من أفغانستان، وأن يتم الانسحاب في ضوء تطورات الأوضاع الميدانية، ومقدار النجاح في تأهيل نحو 300 ألف جندي أفغاني لتولى زمام الأمور، وهو مطلب بعيد المنال في ضوء قصر الفترة الزمنية لبدء سحب القوات.

وفي مقابل هذا الوضع بالغ التعقيد، لا تزال إدارة أوباما تحض حلفاءها الغربيين على تقديم المزيد من العون، وتقديم مليارات الدولارات لإعادة تأهيل أفغانستان، في معركة لكسب العقول الأفغانية، التي تنسف المقاتلات الأميركية من وقت لآخر مقومات نجاحها بقصف المدنيين العزل في القرى والمدن، بدعوى ملاحقة عناصر طالبان والقاعدة، وهو ما يزيد من حالة العداء تجاه القوات الغربية، ويدفع في اتجاه استمرار المتاهة التي يتخبط فيها جنرالات الحرب ودبلوماسيوها من الأميركيين.

tnh57@hotmail.com