كشفت عشرات الألوف من الوثائق العسكرية السرية التي تسربت لموقع «ويكيليكس» وانتشرت عبر الإنترنت، عن صورة للحرب في أفغانستان أكثر قتامة وشؤماً مما كان يصورها القادة السياسيون.
فتلك الوثائق تشير إلى أن القوات الغربية وبشكل مخز، لا تلقي بالاً لحياة المدنيين في أفغانستان، حيث إنها رصدت 140 حادثة تعرض فيها مدنيون عُزل للقتل، إما بالخطأ عن طريق الغارات الجوية التي ضلت طريقها، أو عن طريق إطلاق النيران العشوائي من جانب الجنود المرعوبين، أو عن طريق الغارات التي تشنها القوات الخاصة. وليست اليد العسكرية الأميركية وحدها ملطخة بدماء المدنيين الأفغان، بل تشاركهم في تلك المذابح الأيدي البولندية والفرنسية والبريطانية والألمانية.
كما تؤكد تلك الوثائق على الاشتباه في أن الاستخبارات الباكستانية تدعم طالبان أفغانستان، وأن الحكومة الأفغانية تزخر بالفساد، وأنه لا يمكن الاعتماد على قوات الأمن هناك والوثوق بها.
كل هذا معروف منذ زمن، فالقوات الخاصة تعمل في أفغانستان وترتكب الأخطاء، وهذا ليس سراً، كما أن تواطؤ بعض عناصر الاستخبارات الباكستانية مع طالبان أفغانستان معروف منذ سنوات، والفساد الحكومي في أفغانستان لا تخطئه العين، لكن الجديد في المسألة أنه أصبح لدينا الآن دليل مادي ملموس على ذلك الجانب المعتم من الحرب في أفغانستان.
صار بمقدورنا الآن أن نجري مقارنة بين تصريحات حلف «ناتو» على مدار السنين، والصورة التي تقدمها تلك الوثائق، لنكتشف أن الهوة كبيرة، وأن الأمر مخز إلى حد كبير، فقد سمعنا مراراً وتكراراً الناطقين العسكريين والمسؤولين الحكوميين وهم يضللون الشعوب ويخفون الحقائق، حتى إنه في إحدى تلك الغارات التي تمت بالخطأ فأزهقت أرواح مدنيين، خرج المسؤولون من «ناتو» ليقولوا للعالم إن ما جرى لم يكن خطأ، وإنما استخدمت طالبان المدنيين دروعاً بشرية..
وفي غارة أخرى قتل فيها مدنيون، أعلن الحلف عن مقتل متشددين، ولم يأت على ذكر الأبرياء القتلى، حتى إن نشر المعلومات الخاطئة سواء للشعب الأفغاني أو في الغرب، أصبح روتيناً يومياً، مع العلم أنه لا يمكن تبرير أي من تلك المعلومات باعتبارها ضرورية لحماية القوات الغربية في أفغانستان، أو أنه يتم إطلاقها لأسباب تتعلق بسرية العمليات، إنما الأمر يتعلق فقط بمحاولة تغطية الأخطاء الرهيبة التي ترتكبها القوات الغربية في أفغانستان.
تثير تلك الوثائق الكثير من الأسئلة العميقة حول الحرب في أفغانستان، فقد أخبرنا القادة السياسيون والعسكريون لتلك الحرب، أن الهدف الاستراتيجي منها هو محاولة كسب ثقة ودعم الشعب الأفغاني، لكن السجلات تكشف أن الأرواح الأفغانية أرخص بكثير من الأرواح الغربية.
تعود تلك الوثائق إلى الفترة ما بين يناير عام 2004 وديسمبر 2009، ومنذ ذلك الحين وحتى عهد قريب ونحن نسمع أوامر الجنرال ستانلي ماكريستل، قائد القوات العسكرية السابق، التي كان يوجهها لقواته داعياً إياها لتجنب إصابة المدنيين ما أمكنهم ذلك، لكن الإصابات في صفوف المدنيين لم تتوقف يوماً، وآخرها الغارة التي أودت بحياة 45 مدنياً أفغانياً في ولاية هلمند، والتي تشير إلى أن المنهجية العسكرية تغيرت للأسوأ، إلى حد كبير جداً، خلال الشهور السبعة الماضية.
رد السلطات على تسريب تلك الوثائق، يوضح أنها لم تتعلم الكثير من الدروس منذ أن حدث تسرب لوثائق البنتاغون عام 1970، وهاجمت المسؤولين عن نشر تلك الوثائق بدعوى أنهم يهددون الأمن القومي الأميركي. ينبغي على الولايات المتحدة والأعضاء الآخرين في «ناتو»، ومن بينهم بريطانيا، أن يقوموا بمراجعة حسابات دقيقة للإصابات في صفوف المدنيين الأفغان، وأن يمنعوا الناطقين العسكريين من تضليل الرأي العام مرة أخرى.
وما لم تقم تلك الدول بإصلاحات جذرية وتلتزم بشكل فعلي وقاطع بالشفافية تجاه الصراع في أفغانستان، فإن الصورة التي رسمتها الوثائق هي التي ستدوم في أذهان الناس، ولن يصدقوا غيرها.
صحيفة «إندبندنت» البريطانية