لا شك أن حصول الإمارات على مراكز متقدمة في التقارير الدولية، في قضايا مثل التنمية البشرية والتنمية الثقافية، وفي مكافحة الفساد والشفافية، وفي التجارة الخارجية، وفي مجالات التصدير وإعادة التصدير، تثلج قلب المواطن والعربي على حد سواء.

فالإمارات قد أصبحت اليوم أنموذجاً جميلاً ترنو إليه أبصار الجميع. فهي تقدم نموذجاً حضارياً جميلاً للعربي الذي استطاع ان يقهر المستحيل، وأن يغير تلك الصورة النمطية المشوهة عن العرب في عصرنا الحالي.

فما يحدث في الإمارات يثلج قلب المواطن، لأنه يرى فيها ثمرة جهوده وجهود قيادته الرشيدة، أما المواطن العربي فهو يرى فيها شيئاً مغايراً لما هو سائد في بعض بقاع العالم العربي. فالناظر إلى الإمارات يرى فيها أنموذجاً لما يحب أن يراه في كل المجتمعات العربية.

في التقارير الدولية تأتي الإمارات في مراكز متقدمة، وتكاد تسبق كل الدول العربية، في مجالات حقوق الإنسان والتنمية البشرية والتنمية الاقتصادية وغيرها من القضايا. فهي الأولى عربياً في التنمية الثقافية، وفي التنمية الاقتصادية، وفي الملكية الفكرية، وفي مكافحة الاتجار بالبشر وغيرها، وهي سباقة في سن القوانين التي تنظم حياة الناس: المواطنون والقاطنون فيها على حد سواء.

أما في مجال مكافحة الفساد وفي الشفافية وفي قضايا أخرى مماثلة، فهي تأتي في المراكز الأولى عربياً، متقدمة على الكثير من الدول العربية. فلا غرو أن ينظر لها كل العرب على أنها الدولة الأنموذج بين الدول العربية، وأحياناً أخرى حتى على مستوى الأجنبية صاحبة الباع الطويل في الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فلا توجد دولة عربية فتحت ذراعيها لكل الأشقاء، بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية، ووقفت إلى جانبهم في محنهم وفي السراء والضراء، إلا الإمارات التي أنجبت زايد وراشد وغرست في نفوسهما قيماً قد تكون تلاشت أو كادت في معظم عالمنا المعاصر. إنها الإمارات القدوة والدولة الأنموذج، التي يفتخر بها كل العرب في مشارق الأرض ومغاربها.

خلال إجازتنا الصيفية إلى الغرب، ما إن ننطق كلمة الإمارات إلا وتنطلق كلمات الإعجاب على ألسنة الأوروبيين.. إنها الدولة العربية التي استطاعت أن تسابق الزمن، وأن تصنع من نفسها مدرسة فكرية واقتصادية متميزة.. إنها الإمارات التي ضربت مثالاً سياسياً جديداً في العالم العربي، حيث هيأ لها الخالق كل أسباب الرفاهية واستغلها الإنسان لخدمة الإنسان.. إنها الإمارات الأنموذج والقدوة.

ولكن المراجعات التاريخية لماضي هذه المنطقة تروي لنا قصص التحدي والصمود، كما تقدم لنا أمثلة على كسر الأنماط السائدة. ففي يوليو من العام 1971، كاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن ييأس من الجمود الذي مرت به مفاوضات العملية الاتحادية التي كانت تسير ببطء شديد. ولكن شيئاً واحداً كان قد تم الانتهاء منه، ألا وهو دستور الدولة الاتحادية.

لقد رسم الدستور الجديد ملامح دولة اتحادية جديدة، إن تحققت يمكنها أن تنقل المنطقة من حال إلى حال. لقد صمم زايد ومعه راشد، على قهر كل الصعاب السياسية والأحوال الاقتصادية، وعلى تحويل الحلم إلى واقع معاش، وما هي إلا شهور معدودة حتى تم إعلان الدولة الاتحادية التي أصبحت اليوم مفخرة العرب.

ما تحقق خلال العقود الأربعة الأخيرة، كان سباقاً مع الزمن بكل المقاييس. فالمنطقة بأسرها عانت خلال فترة الاستعمار، من كل أصناف التخلف والفقر والمرض، وهي آفات كافية لأن تترك آثاراً طويلة الأمد على بنية أي مجتمع.

فما عدا بعض المشاريع البسيطة، لم يكن يوجد في الإمارات أدنى وسائل الرفاهية وسبل العيش المريح. لقد كان مجتمع الإمارات يسمى مجتمع الكفاف، أي يعيش على ما ينتجه، ولم يكد ذلك الإنتاج يكفيه.

ولكن تلك الصعاب لم توهن الإرادة القوية والصلبة لأهل المنطقة وقيادتها، فقد بدأت الإمارات في تلك الفترة الاستفادة من موارد النفط، واستثمرتها في تمويل مشاريع البنية التحتية. وتحولت الإمارات كلها إلى ورشة عمل، وما هي إلا سنوات قليلة حتى بانت ملامح دولة عصرية، خلفت مجتمع الكفاف القائم قبل سنوات.

ولم يكن التحول في الإمارات ظاهرياً في البنية المادية فقط، بل كان تحولاً جذرياً في الفكر. فلم يكن التغير لإرضاء حزب سياسي أو فئة أو طبقة معينة، أو كانت وراءه أغراض أيديولوجية معينة، إنما كان تغيراً من أجل الشعب ولإرضاء الشعب الذي التف حول قيادته ومنحها حباً حقيقياً. ولذا نجح اتحاد الإمارات، بينما فشلت اتحادات وتجارب أخرى مشابهة.

إن الإمارات وهي تحصد المراكز المتقدمة اليوم في الكثير من المقاييس الدولية، إنما تقدم أنموذجاً عربياً مشرفاً، يفتخر به كل العرب الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً مؤسساً من هذه الدولة. فمنذ البداية كان للجهود العربية دور مميز في التنمية التي حققتها الإمارات، ولذا يحق لهم اليوم أن يشاركوا أهل الإمارات فخرهم بما تحققه هذه الدولة العربية الفتية.

إن ما يحدث في الإمارات اليوم، هو في الواقع ما يحلم بتحقيقه كل العرب الذين سئموا تلك الصورة النمطية التي ترسم لهم ولمجتمعاتهم، بوصفها رمزاً للتخلف السياسي ونقص البنية التحتية، وانعدام الشفافية وتفشي الفساد والرشوة، وحصولهم على الدوام على مراكز متدنية في سجل حقوق الإنسان والديمقراطية، وانعدام الأمن النفسي والسياسي وتفشي ظاهرة الفقر والإرهاب.

الإمارات تقدم للعالم أنموذجاً جميلاً للعربي الذي يضع الاستراتيجيات ويطبقها، ويرسم للمستقبل صورة واضحة، ولا يتوانى عن الاعتراف بالخطأ في حال وجوده، إيماناً بأن الشفافية هي وسيلة من وسائل التنمية المستدامة، وأن المواجهة هي أسهل الطرق إلى الصواب. إنها الإمارات التي تعرف ما تريد، ولا ترى غضاضة في البوح بما لا تستطيع.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com