عندما تمشي في شوارع ميونيخ أو ستراسبورغ أو فيينا، ستعرف لماذا اعتقد الأوروبيون على مدار العقود الأخيرة، أنهم قد وصلوا إلى نهاية التاريخ. لا يمكنك رؤية شرطي. المقاهي على أرصفة الشوارع مزدحمة خلال منتصف الأسبوع، بالذين يتناولون الغداء. الموضة والعطلات والمتعة، تسيطر على لوحات الإعلانات بمختلف أنواعها.

راكبو الدراجات والقطارات الكهربائية والسيارات الاقتصادية في استخدام الوقود، يمرون بك في بيئة تغلفها الخضرة، على العكس من منظر السيارات الأميركية الفارهة التي تستخدم الكثير من الوقود.

عموما، هناك إحساس عام بالرضى عن ما تم إنجازه، بين الديمقراطيين الاشتراكيين في أوروبا، فهم يشعرون بأن نوعا من التشابه في عموم قارتهم قد تحقق، ليحل محل ألفيتين كاملتين من الحروب والثورات المتواصلة في القارة. الآن يبدو أن كل فرد يحصل على مسكن وسيارة صغيرة ووظيفة حكومية ومعاش تقاعدي، علاوة على السلام.

وفي المقابل، فإن الجميع يعزفون نغمة سياسية واحدة بارتياح، هي نغمة يسار الوسط. ولكن تحت القشرة المتميزة التي تغطي الاتحاد الأوروبي الآن، يتذكر القليلون أن الطبيعة البشرية لا تتوقف، ولا تمنح حتى للأوروبيين الطيبين تصريح مرور لتفادي قوانينها القاسية.

وبشكل مفاجئ يأتي الانهيار المالي اليوناني، والديون المتعاظمة التي يجب سدادها، لتغضب وترعب الدائنين في شمال أوروبا. الآن حتى أشد المتعصبين لليورو يعيدون في صمت التفكير في كيان الاتحاد الأوروبي برمته، الذي يمنح مزايا سخية ولكنه لا يملك وسيلة سليمة لدفع فاتورتها. على كل حال، من المفهوم أن تُعيد توزيع الدخل بأخذ المال من الألمان والنمساويين الأغنياء، وتعطيه للألمان والنمساويين الفقراء.

لكن من غير المفهوم، بالنسبة لكل الألمان والنمساويين، أن يتم مد مظلة صدقاتهم الاشتراكية لتشمل اليونانيين والايطاليين والاسبان غير المجتهدين. ورغم كل العبارات الجميلة التي تقال عن الاتحاد الأوروبي الموحد، فإن الثقافة القديمة واللغة والقومية، لا تزال هي الأمور التي يمكن اتخاذها معيارا لوحدة القارة.

لكن التشاحن بشأن تريليون دولار من الديون المعدومة في جنوب القارة، ليس مشكلة أوروبية فقط. لماذا، على سبيل المثال، تشجع سياسة الاستحقاقات الأوروبية، من المهد إلى اللحد، باستمرار على تراجع الكثافة السكانية وعلى تراجع إنتاجية العمال الواضحة لأي زائر عارض؟ ربما إذا تصرف الجميع هكذا فإن الناس يجب أن يستمتعوا بحياتهم في اللحظة الآنية.

لماذا يجب أن نضحي من أجل الأبناء أو ندخر شيئا للورثة؟ وكلما تحدث الاتحاد الأوروبي أكثر عن الرعاية الشاملة، كلما تراجع احتمال إقبال مواطنيه على إنجاب الأطفال.

يتقاطر الأوروبيون على كاتدرائياتهم القديمة المهيبة ومتاحفهم الرائعة وقلاعهم الفخمة، لإرضاء رغبة إنسانية فطرية للاستمتاع بالانجازات الفنية والمعمارية والدينية، حتى وإن تراجع احتمال أن يبنوا مرة أخرى شيئا مثل كاتدرائية روان أو قصر شونبرن أو قلعة على نهر الراين.

الكثير يقال عن التعددية الثقافية في أوروبا، ورغبة القارة في السماح للمسلمين من الشرق الأوسط وباكستان وتركيا، بأن يعيشوا حياتهم كما يريدون، دون صهرهم بالكامل في المجتمع الأوروبي.

لكن تسامحا مثل هذا يعكس في جزء منه خوفا من التشدد والإرهاب. ورغم كل الكلام الأوروبي عن الاتجاهات التقدمية نحو حرية التعبير، فإن مثل هذه المبادئ تتلاشى سريعا عندما يطالب المتشددون بتطبيق الشريعة الإسلامية، أو عندما يهددون رسامي الكاريكاتير والكتاب الأوروبيين.

يبدو أنه كلما تفاخرت أوروبا بتعدديتها الثقافية، كلما تمددت المعازل العرقية واتسعت، وكلما زاد شعور الأوروبيين الأصليين بالمرارة تجاه المولودين في الخارج.

أوروبا عضو مسموع الصوت في الأمم المتحدة ومنظمات أخرى متعددة الجنسيات، لكن هذه الطوباوية الأممية تعتمد على الحماية التي توفرها الولايات المتحدة وجيشها الضخم، وإلا فسيتوجب إما تأسيس جيوش أوروبية بتكلفة باهظة، وإما التعرض للتهديد من وقت لآخر. لقد نسي الأوروبيون أن كونهم لا يبحثون عن شن الحرب، لا يعني بالضرورة أن الحرب لن تبحث عنهم.

باختصار، كرد فعل للتدمير الذاتي لأوروبا في الحرب العالمية الثانية، وظهور الوحشين التوأم؛ الفاشية والشيوعية، ظن الأوروبيون أن باستطاعتهم تغيير الطبيعة البشرية، من خلال تأسيس اتحاد أوروبي مفعم بالحكمة وشامل الرعاية للمواطنين. وبدلا من التعامل مع الخطايا البشرية، اعتبر حكماء أوروبا في الخمسين عاما الماضية، أنها من الماضي.

غير أن التاريخ البشري يعود الآن بقوة وضراوة في أوروبا، بداية من الإعسار المالي الذي يضرب دول المتوسط، إلى التهديد الذي يمثله خطر التشدد، إلى التراجع الديومغرافي، إلى الأخطار الدولية الأخرى الماثلة في الأفق.

ويبقى سؤال وحيد: في الوقت الذي تكتشف أوروبا أن نظامها الديمقراطي الاشتراكي لا يعمل جيدا، لماذا تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لتقليده؟

أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية

opinion@albayan.ae