يشتكي عادل درويش بمرارة من المتدخلين تعليقاً على مقالاته، في مقال يفيض بالمرارة عنوانه «اتفاقيات سجون العقول المشتركة» (الشرق الاوسط ـ 24\7\2010).

يذهب درويش إلى تقديم صورة ساخرة مليئة بالمرارة، للذهنيات التي تنطلق منها تعليقات المتدخلين. لكن شكوى درويش المريرة، وهو صحافي مخضرم بريطاني مصري الاصل، لا تتعلق بصحافي يتعرض لسوء الفهم، بل إنها مؤشر لمعضلة قديمة مرتبطة بالصحافة العربية بشكل عام، وعلاقتها بالجمهور الذي يفترض أن تخاطبه، أو بالأصح تجتذبه.

في الواقع، لا أذكر وعلى مدى 29 عاماً تقريباً هي عمري المهني، أنني قرأت تعليقاً من قارئ على مقال يستحق التوقف، بل صحيفة اتهامات وقدح لا مثيل له، سواء أكان ذلك قبل ظهور الإنترنت أو بعدها مع انتقال الصحف إلى الشبكة.

دعوا عنكم كل ما يتعلق بحرية التعبير أو الرأي، فالأمر لا يتعلق بهذا أبداً، بل بمعضلة صميمة في علاقة الصحف بالقراء. أو في تنويعة أخرى: نوعية القراء الذين يتفاعلون بالتعليق مع المقالات.

منذ أن انتقلت الصحف إلى شبكة الإنترنت منتصف تسعينات القرن الماضي، ومنذ أن تم توسيع مجال التعليق ليشمل الأخبار أيضاً، امتدت معضلة التعليقات إلى المقاييس التي تعتمدها الصحف في التعامل مع هذه التعليقات، أي مقاييس النشر.

بعض الصحف، وتحت وطأة المعاناة من تقاليد الاستبداد، تنشر التعليقات كما تردها بالحرف، فيما تقوم صحف أخرى بعملية فلترة واستبعاد التعليقات التي تفيض بالسباب.

لكن رغم هذا، فإن المتدخلين قلما يثبتون أنهم بصدد مناقشة، بل سوق اتهامات وتنفيس عن مشاعر غير سوية مكبوتة. على هذا النحو، فإن النشر من دون فلترة أو انتقاء، وحتى محاولة ضبط جماح التعليقات، لم تفض إلا إلى أن تصبح منتديات التعليق ساحة لحرب تفيض بكل النوازع البغيضة: شحن طائفي ومشاعر منفلتة في لغة اتهامية وتخوينية.

لا تستخفوا بهذا، فلقد أصبح هذا الشحن المتزايد قضية ملحة في بلد مثل البحرين، حيث أصبحت المنتديات الإلكترونية ساحة باعثة على القلق حقاً، لأن الشحن الطائفي فيها بلغ مستويات لا يمكن تصورها. فمن يقرأ التعليقات، لن يخامره شك في أن حالة من الاحتراب كامنة، وأن علاقة المتدخلين بما يجري حولهم إقليمياً وعالمياً، تخرج من منظار تفسير طائفي ضيق وبغيض.

يمتد هذا المنظار ليشمل التعامل مع مقالات الكتاب في الصحف، فهناك ستجد منطق الثنائيات المدمر يوالي مفاعيله. فالتعليقات إما مديح مفرط أو ذم مفرط أيضاً. لا مجال لمناقشة هادئة أو موضوعية.

أما المتدخلون فهم في الغالب شبان، مع قلة من الكبار والنساء أيضاً. لكن هذا الخليط من المتدخلين، ليس بإمكانه إدارة حوار أو نقاش موضوعي حول ما جاء في المقال المعني، بل إن المتدخلين قد يمضون في معاركهم الخاصة، عندما يبدأون بالرد على بعضهم أيضاً في سلسلة مطولة من التعليقات والتعليقات المضادة.

لكن هذا كله، يطرح أمام الصحف نفسها تساؤلاً مهماً: لماذا لا تجتذب نوعيات أخرى من القراء؟ نوعيات بإمكانها إدارة نقاش موضوعي ومتزن، من شأنه أن يثري علاقة الصحف بشرائح نوعية من القراء؟ لا يبدو أن هذا في وارد الصحف، بل إنها تتعامل معه بتسليم وكأنه قدر، في حين أنني أرى أن هذا الأمر يفصح عن مشكلة لدى الصحف نفسها.

فالتعليقات الذكية، والنوعيات الأخرى من القراء التي من شأنها إدارة نقاش موضوعي مع الصحافة (وهي توالي صناعة الرأي العام والتأثير فيه) موجودة. فلطالما أثارت المقالات والأخبار والتحقيقات، نقاشات ذات مستوى راقٍ في مواقع عدة.

وطيلة العقود الثلاثة الماضية، كنت طرفاً في مناقشات موضوعية، مع أشخاص يتمتعون بالحصافة والمعرفة الكبيرة والتخصص في ميادين عملهم؛ أساتذة جامعة ومديرون ومهنيون وأفراد يتمتعون بالمعرفة والخبرة والقدرة على التحليل، بعيداً عن إصدار الأحكام الجاهزة.

بل إن مثل هذه المناقشات، يظهر أحياناً ثراءً إضافياً في المعلومات التي ربما افتقدها المقال أو الخبر أو التحقيق موضع المناقشة. لكن هذا النوع من القراء الحصيفين، ليسوا هم الذين يكتبون تعليقاتهم في الصحف في ظاهرة تشمل كل الصحف العربية، والسؤال هو: لماذا؟

من وجهة نظري، فإن السبب الأول يعود إلى تقاليد القمع التي سادت البلدان العربية ولا تزال، وأثرت في الصحافة بشكل كبير، لأنها حولتها إلى أدوات دعائية في الغالب.

إن تأثير تقاليد الاستبداد على الصحافة ذهب إلى ما هو أبعد، بحيث أعاقت تلك التقاليد النمو الطبيعي للصحافة العربية كصناعة. وفي البعد المتعلق بالدور الثقافي والفكري للصحافة، فإن التأثير تجلى في علاقة القراء بالصحف نفسها.

فالصحف لا تزال عاجزة عن استقطاب تلك النوعية من القراء، التي يمكن أن تسهم في علاقة تفاعل إيجابية تدفع الصحف للتطور من جهة، وتدفع النقاش العام الى مستويات أعلى. ومن الواضح أن هذه العلاقة مازالت لا تمثل مشكلة بالنسبة لأرباب الصحف أنفسهم، وهو ما يتضافر مع التاريخ الذي حكم العلاقة بين الصحف والقراء وأثمر هذه الظاهرة.

في كل الأحوال، ومن منظور مهني بحت، أعتقد أن الجزء الأكبر من المسؤولية ما زال يقع على عاتق الصحف نفسها والقائمين عليها.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh