مع تعرض البارجة الكورية الجنوبية «شيونان» للإغراق المتعمد من جانب جارتها كوريا الشمالية، وما تقوم به من تجارب صاروخية ونووية، يسهل على المرء أن ينسى أن كوريا الشمالية كانت سلة اقتصادية فريدة، حيث إنها كانت تتفوق يوماً على جارتها الجنوبية في النمو الاقتصادي، لكنها تقف الآن، ومنذ سنوات عدة، على حافة الانهيار الاقتصادي.

ويشير تقرير حديث صدر عن منظمة العفو الدولية إلى الحالة المتردية التي يعيشها القطاع الصحي في كوريا الشمالية، وما يدل عليه ذلك من ضريبة غالية يتعين على الشعب الكوري الشمالي أن يدفعها بسبب سياسات وقرارات القيادة في بيونغ يانغ، ففي الوقت الذي نتذكر الاستفزازات التي تقوم بها تلك القيادة لجارتها الجنوبية، علينا أن لا نتناسى معاناة ملايين الكوريين الشماليين في الداخل أيضاً، ومن الواجب علينا كبشر أن نسعى للتخفيف، ما أمكن، من معاناتهم.

تقرير منظمة العفو الدولية أوضح أن حكومة بيونغ يانغ فشلت بشكل تام في توفير العناية الصحية الأساسية لمواطنيها، حيث جاء فيه: «يعاني مواطنو كوريا الشمالية حرمانا كبيرا من الحصول على عناية صحية مناسبة»، إذ إن المستشفيات تفتقر إلى وسائل التدفئة، ودوماً هناك نقص في الماء الجاري وانقطاعات متكررة للكهرباء، نتيجة النقص في إمدادات الطاقة.

كما أن هناك نقصاً مزمناً في الدواء والضمادات والإبر المعقمة، حتى أن هناك حالات أجبر فيها الأطباء على القيام باستئصال أعضاء بشرية لمرضى دون تخدير.

وتزيد الطين بلة حالة سوء التغذية التي تعم البلاد، حيث ضربتها مجاعة قاسية في التسعينات، حصدت أرواح أكثر من مليوني إنسان، وتستمر الصعوبات والمعاناة وسط سوء الإدارة الاقتصادية للبلاد ووقوع عدد من الكوارث الطبيعية، وحسب الإحصاءات الصادرة عن حكومة كوريا الشمالية بين عامي 2004 و2008، وهي آخر سنة تتوفر فيها الإحصاءات عن هذا البلد، فإن حصص الطعام التي كانت تتوفر لكل فرد، تراوحت بين 150 غراماً و350 غراماً يومياً فقط.

ويقدر برنامج الغذاء العالمي أنه بين عامي 2003 و2007، فإن ربع العائلات الكورية الشمالية فقط نالت حصة كافية من الطعام، ولم يتسن سوى لثلثي المزارعين الحصول على حصصهم من الطعام، وقلما كانوا ينالون الحصة كاملة، كما أن نصف الكوريين الشماليين يأكلون وجبتين فقط في اليوم، ويصنف 9 ملايين كوري شمالي، من أصل عدد السكان الإجمالي البالغ 7, 23 مليون نسمة، على أنهم لا يتمتعون بالأمن الغذائي، كما يقدر معهد الاقتصاد الزراعي الكوري الجنوبي أن النقص في الإمداد الغذائي لكوريا الشمالية لعام 2010، يبلغ 29, 1 مليون طن من الحبوب.

نتيجة لهذا فإن 45% من أطفال كوريا الشمالية تحت سن الخامسة، يعانون من نقص في النمو بسبب سوء التغذية، ويعاني 9% منهم من الهزال، ويقدر برنامج الغذاء العالمي أن ثلث نساء كوريا الشمالية في عام 2009 كن يعانين من سوء التغذية وفقر الدم، كما يعاني 5% من الكوريين من التدرن الرئوي.

ليس هذا فحسب، فقد عانت كوريا الشمالية من سلسلة من الكوارث الطبيعية، كافيضانات والجفاف، أجبرت السكان على تناول علف الماشية، ما أثر على الزراعة في المناطق الريفية.

غير أن المأساة الحقيقية تكمن في سوء الإدارة، فسياسات الحكومة سببت الإحباط للناس، فعزفوا عن الزراعة وبيع المنتجات الزراعية للموردين الحكوميين، وأدى هذا إلى نقص كبير في إمدادات الغذاء وارتفاع حاد في الأسعار.

لا ننسى أيضاً العزلة الاقتصادية التي تعيشها كوريا الشمالية والحظر الذي تعاني منه، جراء إصرارها على تنفيذ التجارب الصاروخية والنووية. صحيح أن الحظر يستثني المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، غير أن منع التبادل التجاري بينها وبين الدول الأخرى وتوقف الهبات النقدية التي كانت اليابان تبعث بها لكوريا الشمالية، أديا إلى التأثير سلباً على اقتصادها، وضاعفا من معاناة سكانها الذين لا حول لهم ولا قوة.

صحيفة «جابان تايمز» اليابانية