هناك أسباب عديدة تؤكد على النهاية الفعلية للمثقف العربي، صاحب المسؤولية الفكرية والمشاريع الكبرى المؤدية للتغيير. فمثقفو المشاريع الكبرى، على شاكلة محمد عابد الجابري وزكي نجيب محمود ونصر حامد أبوزيد، أصبحوا عملة نادرة في عالمنا العربي.

وإذا كان أبرز مهام المثقف يكمن في إنتاج الفكر النقدي، فإن عملية التغيير لا تقع بالضرورة على عاتقه، وإن كانت تمثل جزءا أصيلا وأساسيا من اهتماماته.

يرتبط ذلك بشكل عام، بنهاية عصر الفرد الواحد، ليس فقط على مستوى العالم العربي، ولكن على مستوى العالم ككل. فبديلا عن أم كلثوم لدينا مئات المطربات، وبديلا عن عبد الحليم حافظ لدينا مئات آخرين من المطربين.

وبديلا عن زعامة عبد الناصر للعالم العربي، أصبح كل حاكم يقتطع قدرا ما مساويا لحجمه وما يقدمه للآخرين. هكذا عصرنا الراهن لا يسمح بسيادة فردية مطلقة، بغض النظر عن ضعف المنتج البشري المرتبط بذلك.

وبخلاف طبيعة العصر الحالي، فإن الإعلام والمستجدات المرتبطة به، وعلى رأسها الإنترنت، قد خلق نوعية جديدة من إنتاج المثقفين الأقرب للوجبات السريعة.

فلم يعد المثقف ينكفئ على مكتبه يطالع عشرات الكتب والدراسات من أجل الانتهاء من مؤلفه الخاص به، بل أصبح يلتصق بالإنترنت، يطالع هنا وهناك بشكل سريع، من أجل الوفاء بالتزامات مقابلاته أو مقالاته الصحفية والإعلامية المختلفة.

ويمكن لأي منا أن يحسب حجم الوقت الذي يقضيه أمام شاشة الكمبيوتر، من أجل اللهاث وراء معلومات الإنترنت المفككة الفاقدة للعمق المطلوب.

يرتبط بذلك أيضا كون كثير من المثقفين أصبحوا يبحثون عن الشهرة، عبر العديد من المقابلات التي تتم معهم، بل إن بعضهم أصبح يزاحم رجال الإعلام في برامجهم، ويفضل وصفه بالإعلامي بديلا عن المثقف أو المفكر.

ولا يحدث هذا الميل إلى الإعلام من جانب المثقفين، بهدف توسيع دائرة أفكارهم النقدية وتوصيلها لأكبر عدد من الجماهير المتعطشة للفكر والتنوير، لكنه يحدث بسبب المزايا المالية الهائلة التي يوفرها الإعلام للمتعاملين معه. فلم يعد العالم العربي ينطوي على مفكرين عظام، يرفضون أن تطوعهم المادة وأن تجذبهم لهيمنتها، على شاكلة جمال حمدان أو محمد عابد الجابري.

اللافت للنظر هنا، أن الإعلام وهو يجذب المثقفين إلى دائرته، لا يوفر لهم أية مساحة حقيقية من التفكير النقدي الذي يؤدي للتغيير. فمنظومة الإعلام العربي محكومة بالتوجهات اليمينية المحافظة، رغم محاولاتها الظهور بعكس ذلك.

من هنا فإن مثقفي الإعلام يحملون معهم رقيبا داخليا بالغ الصرامة، اتفاقا مع توجهات الإعلام ورغبة في اتقاء ما لا تحمد عقباه، وسط بنيات بالغة الجمود والمحافظة. وحتى تلك المحطات الإعلامية التي تسمح بقدر ما من الانفتاح والنقاش، تجر المثقفين معها إلى متاهات الغوغائية، بحثا عن عدد أكبر من المشاهدين وضمانا لاستمرار البث.

ويمكن في هذا السياق النظر حولنا ومطالعة أشهر القنوات الإخبارية في العالم العربي، للتحقق من سيادة ذلك القدر الكبير من الغوغائية الفكرية المتسيدة عبر معظم برامجها.

وليس بعيدا عن الإعلام، ما تقوم به الجامعات العربية من قتل لروح البحث النقدي، وتحول الأساتذة، وبشكل خاص في العلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى مجرد ناقلين للنظريات والمناهج المختلفة، أكثر من كونهم منتجين للفكر النقدي.

ورغم ما وصل إليه بعض الجامعات العربية من مكانة وما توفر لديها من إمكانيات، فإنها أصبحت أقرب لتخريج تقنيين في كافة العلوم، دون أن يكون لديهم ذلك القدر من التفكير النقدي الواعي، القادر على الحركة والتغيير. وفي ظل هيمنة الفكر اليميني المحافظ في العالم العربي، أصبحت الجامعات العربية مرتعا لاجترار الأفكار الجامدة وحضّانة ملائمة للحافظ عليها.

ولقد أدى انهيار المشاريع الفكرية العربية منذ عصر النهضة وحتى الآن، إلى شيوع حالة من اليأس بين عموم المثقفين. وفي ظل استشراء هذه الحالة، يصبح من العبث البحث عن مشاريع فكرية جديدة، والتأكيد على أهمية الفكر النقدي.

بل إن الذي يحدث أن الكثير من المثقفين يتحولون هذه الأيام صوب التوجهات الفكرية المحافظة، بحثا عن قدر كبير من الأمان والقبول المجتمعي. ويوجد حولنا العديد من الأمثلة الخاصة بتحولات المثقفين من اتجاه لآخر، مخالف له كلية في المشارب والتوجهات والأسس الفكرية والأيديولوجية.

كما لم يرتبط الحراك السياسي النسبي في العالم العربي، الذي حدث وفقا لضغوط الخارج أكثر منه وفقا لمحركات الداخل، بأية تيارات فكرية حقيقية يعبر عنها مثقفون حقيقيون، أو حتى سياسيون يحملون قدرا ما من الثقافة السياسية العميقة.

فالملاحظ أن الحراك السياسي ارتبط بقدر كبير من الدعايات المؤيدة للنظم الحاكمة، أو المرتبطة بتصورات دينية جامدة، أو تلك المعبرة عن مصالح أقليات عرقية مغلقة. ولقد أدى كل هذه التحولات المذهبية والعرقية والدينية، إلى سيادة العقلية المحافظة بتجلياتها المختلفة، وهو أمر يعيق بدرجة أو بأخرى ظهور مفكرين حقيقيين، يعبرون عن مشاريع فكرية عميقة تدعو للحراك والتغيير والتفكير النقدي.

إن غياب المثقف العربي صاحب المشاريع الفكرية الكبرى، مسألة بدأت وسوف تستمر لفترة طويلة، انسجاما مع التراجع العربي المستمر، الذي لا يحمل أية آفاق مستقبلية للتغيير الحقيقي والعميق.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com