أكون مجافياً للحقيقة والواقع، لو قلت إن الكويتيين قد نسوا ما حدث في الثاني من أغسطس للعام 1990. أجل، إن عقدين من الزمن يفصلانهم عن ذلك الحدث الجلل، إلا أن ذكراه ما زالت أليمة في خواطرهم.

وأحسب أيضاً أن إخوتهم العراقيين يشاطرونهم بقاء ذكريات ذلك اليوم في وجدانهم، فما جره عليهم من ويلات ما زالوا يتجرعونه. كلا الطرفين دفعا ثمناً باهظا لقرارات نظام كان قد عفا عليه الزمن، وكان قد أصبح من مخلفات الحرب الباردة.

المخلصون من الطرفين يريدون طي صفحة الماضي وبناء علاقات متينة بين الشعبين، أو بالأحرى استئنافها بعد قطيعة عقدين، وهم ينتظرون بفارغ الصبر كي تستقر الأمور في العراق ويتثبت الأمن وتعود الحياة إلى مجاريها، لتنطلق المشاريع الاقتصادية والتجارية والسياحية المختلفة بقوة، وإن كانت قد بدأت بشكل متردد نتيجة للأوضاع الأمنية.

والمخلصون من الطرفين يريدون الانتهاء من المشاكل العالقة ـ إن كانت ثمة مشاكل ـ ليستفيدوا من الإمكانيات الواعدة التي تنتظر الشعبين في حال استتباب الأمن.

قلة قليلة من الطرفين، وهم من السياسيين المحترفين، تريد التكسب من وراء دغدغة المشاعر ونبش مآسي الماضي، وتضخيم الهفوات والهنات ووضع الأمور في غير نصابها. وهؤلاء للأسف، وفي الجو الديمقراطي الذي يعيشه البلدان، بصحافته الحرة وفضائياته المنفلتة، يصطادون في الماء العكر ليخربوا على أولئك المخلصين كل ما بنوه بصبر وأناة.

فبتصريح أهوج من هنا تقابله ردود عنترية هناك، يتلبد الجو ويكفهر، ليبدأ المخلصون من نقطة الصفر، أو ليعيدوا الكرة في ظروف صعبة. وهذه إحدى مآسي الديمقراطية غير الناضجة والحرية غير المسؤولة!

ولعل سرعة استجابة جمهور الشعبين «للديماغوجيين» والمشاغبين، هي نتيجة لما تحمله النفوس في داخلها من ترسبات الماضي التي لم يتخلص منها الشعبان، حيث لم تتح للطرفين الفرصة الحقيقية للتفاعل على الصعيد الشعبي في جو طبيعي.

فبعد تحرير الكويت كانت ثمة قطيعة تامة، استمرت لأكثر من عقد. ثم جاءت أحداث تغيير النظام والغزو الأميركي وما نتج عنها من تردي الأوضاع الأمنية، ليستمر الحال على ما هو عليه، اللهم إلا للقلة القليلة من الشعبين الذين بدأوا بالتواصل، بسبب التجارة أو الزيارة أو إحياء لصداقات قديمة.

وقد تكون هذه الذكرى الأليمة مناسبة للتذكير بالفرص الاقتصادية الضائعة، التي تم هدرها في العقود الثلاثة الماضية، والأموال الطائلة التي ذهبت هباء منثوراً في الحروب وإعادة البناء وغيرها.

فالمنطقة لم تنعم بسلام حقيقي خلال هذه المدة، حيث شهدت حرباً طويلة بين العراق وإيران استمرت ثماني سنوات، إلى احتلال للكويت، ثم حصار للعراق وإسقاط لنظام صدام حسين بغزو أميركي في العام 2003، إلى ما تشهده الساحة الخليجية هذه الأيام من قرع طبول الحرب ثانية، بسبب برنامج إيران النووي.

والناظر إلى خريطة المنطقة، يرى أن دولة الكويت ومدينة البصرة وما حولها ومدينة عبادان الإيرانية ومنطقة الأحواز، تمثل إقليماً اقتصادياً يمكن أن يكون مزدهراً، لما يحويه من ثقل سكاني يتجاوز العشرة ملايين نسمة.

وهذه المنطقة، وبسبب المشاكل السياسية وغيرها، ما زالت قليلة التواصل من حيث النشاط التجاري والسياحي. وهي منطقة واعدة، لو حل الاستقرار بدلاً من التوتر السياسي.

وثمة مشروع ضخم لدى الكويت، لإنشاء مدينة في «الصبية» شمال الكويت وبالقرب من جزيرة بوبيان، ستكون نقطة للوصل بين جنوب الخليج العربي وشماله، وستحتوي على ميناء ضخم، ومربوطة بخطوط سكك حديد بين دول الخليج العربي والعراق وإيران.

ولعل على رأس العبر والدروس التي نستخلصها في هذا اليوم، أن استخدام القوة في حل النزاعات لا يجلب إلا الدمار، ناهيك عن أن يكون ذلك الاستخدام للقوة بغية الضم والإلحاق واحتلال أراضي الغير، فمثل هذه الممارسات السياسية لم يعد مقبولا في العصر الحديث، وإن جرت فإنها تلقى شجب واستنكار الجميع.

لقد نعمت أوروبا الغربية بسلام سياسي ورخاء اقتصادي لا نظير له منذ الحرب العالمية الثانية، لأن أطراف النزاع وعلى رأسها ألمانيا، قد وضعت الحرب والاحتلال وراء ظهرها، وجنحت لحل مشاكلها التاريخية مع جيرانها، بالحوار والوسائل السلمية.

ولم يمنع الانفصال الجمهوريات التي كانت منضوية سابقاً في يوغسلافيا وجمهورية التشيك والسلوفاك، من العودة إلى الاتحاد مرة أخرى، ولكن تحت مظلة جديدة وهي «الاتحاد الأوروبي».

وإذا كان مبدأ الابتعاد عن استخدام القوة والعنف، هو المبدأ السائد بين الدول المتحضرة، المختلفة في لغاتها وأديانها وثقافاتها، فهو حري بأن يكون هو المبدأ السائد في علاقات الدول العربية بعضها ببعض، فالدول العربية دول شقيقة بكل معنى الكلمة، إذ إلى جانب اللغة المشتركة يجمعها الدين والثقافة والتاريخ المشترك.

وتلك الأسس كفيلة بأن تجعل بينها أرضية صلبة للتفاهم والتواصل، والتعاون في حل خلافاتها بشكل ودي، متى ما طرأ أي خلاف يعكر صفو علاقاتها.نتمنى أن يكون الثاني من أغسطس آخر مآسينا العربية، لتنعم شعوبنا بالسلام والرخاء.

كاتب وأكاديمي كويتي

alyusefi@hotmail.com