في الوقت الذي يضيق العالم بأزماته الاقتصادية وتسعى الدول جاهدة إلى دفع شبح الحاجة عن شعوبها بشتى الطرق، في رد فعل لما تعانيه من عقبات مالية ضربت في شرق الأرض وغربها، تسطع في سماء العمل الإنساني مبادرات إنسانية بقيت مخلصة لمبادئها، حريصة على مواصلة مسيرة الخير، تسعى جاهدة إلى التواصل مع المحتاجين والبحث عنهم وتقديم العون لهم.
ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن الفخر يملؤنا نحن أبناء الإمارات، حين نقرأ ونسمع عن أيادٍ بيضاء لا تزال مفتوحة ممدودة لبني الإنسان في شتى أقطار الأرض، وليس آخرها مبادرة «أيادي العطاء» التي ترعاها رائدة العطاء سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة الاتحاد النسائي العام.
فمن إندونيسيا إلى أرتيريا إلى البوسنة وسائر الدول العربية والعالمية، تشد المبادرة رحالها لتقدم واجب العطاء من دون منة على الشعوب، ولتعزز فلسفة أرسى دعائمها مؤسسو هذا البلد الكريم، وحمل مشعلها خير خلف لخير سلف، في موكب من النور يحمل الخير لجميع الشعوب ويقدم نفسه واحة للسلام والتواصل الإنساني.
فبالأمس القريب حطت مبادرة أيادي العطاء رحالها في الشقيقة مصر، تتلمس أوجاع المحتاجين عبر فريق طبي نوعي، برعاية «أم الإمارات» ومبادرة من سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية رئيس هيئة الهلال الأحمر، لتسجل بالمثال والواقع حقيقة التواصل العربي والإنساني، وتبرهن على عمق فلسفة العطاء في فكر أبناء الإمارات في شتى الظروف والأحوال.
وهذه المبادرة هي المبادرة الثالثة التي تطلقها المجموعة الإماراتية العالمية للقلب، ضمن مبادرة زايد العطاء، بعد مبادرة القلب المعطاء في العام 2003، والتي تم من خلالها إجراء المئات من عمليات القلب المفتوح والقسطرة القلبية للمرضى المعوزين في العديد من دول العالم بمشاركة نخبة من الأطباء الجراحين والعالمين.
ومبادرة تدريب بلا حدود لتطوير وتدريب المئات من الكوادر الطبية في العديد من دول العالم في مختلف المجالات الطبية، ولا ننسى حملة المليون متطوع التي تعد الأولى من نوعها وتهدف إلى ترسيخ ثقافة العطاء والعمل التطوعي في المجتمع.
عبر استقطاب مليون متطوع من مختلف فئات المجتمع وفي مختلف التخصصات من الرجال والنساء، للمشاركة بمليون ساعة تطوع في التنمية المجتمعية والاقتصادية في المجالات الصحية والبيئية والتعليمية والثقافية.
هي إذاً ثقافة متجذرة نفخر بها، وفلسفة ممتدة نحرص على بقائها واستمرارها، وسجايا اجتماعية تمتد جذورها لتصل إلى عمق أصالتنا وتراثنا، وواجب إنساني تمليه علينا أبسط أبجديات التواصل للعمل والبناء بما يخدم جميع الإنسانية.
وعلى الرغم من ثنائنا الكبير على هذه المبادرات الإنسانية العملاقة من قيادتنا الرشيدة، فإننا نجد لزاماً علينا التوقف عند واجب شرائح المجتمع من أبناء الإمارات والمقيمين على أرضها، فالمبادرات العملاقة تحتاج إلى تعاضد اجتماعي يرسخ هذه النظرة الإنسانية في ثقافة الأجيال، ويستدعي السعي إلى تفعيل هذه المبادرات على أرض الواقع في التفاصيل الحياتية اليومية، لتتعمم الفكرة وتصبح ثقافة منطلقة في عمق الزمان وعرض المكان.
هذا الذي نقوله يتطلب عملاً اجتماعياً ناهضاً يتواصل فيه جميع المؤسسات، لا سيما التربوية والاجتماعية، لتكثيف حملات غرس هذه الثقافة في نفوس أبنائنا الصغار وهم في مرحلة البناء الفكري والنفسي، ليعلموا أن العمل لسعادة الآخرين من أنبل الأعمال.
وأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن الإحساس بآلام الآخرين ارتقاء في مشاعر الحساسية الإنسانية في النفوس، والنظر إلى جوهر العطاء بأنه اقتناص لفرص الخلود الإنساني.
والأسر بدورها ليست بعيدة عن هذا الميدان النبيل، حين تقوم بواجبها في غرس هذه الثقافة في نفوس أبنائها، لأن ذلك يمهد الطريق إلى علو مبادئ التعايش والسلام الإنساني، ويؤسس في نفوس الأجيال أن الأرض تتسع للجميع، وأن مسيرة الخير الممتدة لا توقفها حواجز الجنسيات أو التوجهات أو الإثنيات، ما دام جوهرها المقصود هو الإنسان.
مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»
nooraalswidi@yahoo.com