كتبت كثيرا عن القدرة الهائلة لدى السودانيين على الانقسام والتشرذم وتوليد الخلافات. ولكن مع الظروف الحرجة والدقيقة التي يمر بها السودانيون هذه الأيام، تصبح العودة إلى بحث هذه الظاهرة الغريبة والمحيرة ضرورة ملحة.
والغريب أن الذي حفّزني لزيارة الظاهرة مجددا، ليس نزاعات الاستفتاء، ولكن معركة كروية امتدت خلال الأسابيع الماضية، نظنها قد تكون السبب الفعلي لتقسيم السودان. وقبل الكتابة بدقائق سمعت أن اتحاد كرة القدم السوداني حسم الأمر بطريقة أو أخرى، ولكن سوف تستمر الأزمة. ولا يمر يوم بلا نزاع بين القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمجموعات القبلية وجماعات المبدعين وكيانات المصالح وحتى مواقع الانترنت.
وفي هذه الأيام، أصابت السودانيين صحوة مفاجئة تدعو لوحدة جاذبة أو غير جاذبة، وكان السباق نحو تكوين لجان ومنظمات داعية للوحدة، وظهرت تسميات مثل: اللجنة القومية للوحدة، أو الهيئة الشعبية للوحدة.. وغيرها.
وتكاثرت اللجان والهيئات في وقت قياسي، ووقعت في شر التنافس ولم تلتفت أي واحدة من هذه اللجان إلى وجود الآخرين، لكي تقترح التنسيق والدمج، ووقعت في شر التنافس والنزاع، ولم تتقدم أي منها في المجال الذي وجدت من أجله. ورغم نبل الهدف، فإن داء التشرذم لاحق أصحاب الفكرة، وحتى دقة الظرف لم تجنبهم التنافر.
يقول البعض إن الاختلاف نعمة أو دليل صحة أو لا يفسد للود قضية، وهذا غير دقيق وليس صحيحا تماما في كل الأحوال، خاصة إذا تحول إلى ظاهرة أو سلوك سائد وعام. فالسودانيون على مستويات عدة في الحياة العامة، وبالذات في تلك التي تحتاج إلى العمل الجماعي أو عمل الفريق، يفشلون في اختبار الجماعية والتعاون.
ويظهر ذلك جليا وبصورة كاسحة في ميدان العمل السياسي، فمنذ بواكير العمل السياسي، أي مع ظهور مؤتمر الخريجين في مطلع أربعينيات القرن الماضي، دخل الخريجون في صراعات حادة منذ اللحظة الأولى، وكأن بينهم عقودا من الخلافات والنزاعات.
وقد اداروا الانتخابات الدورية التي تقام كل عام لاختيار اللجنة الستينية التي تسير العمل، بروح صدامية وكأنها معارك حربية ومسألة حياة أو موت، رغم غياب أي أسس فكرية أو ايديولوجية تبرر حدة الخلاف. والدليل، تسمية القائمتين المتنافستين باسم أشخاص: الشوقيون، والفيليون.
وعند ظهور الأحزاب هيمنت عليها الطائفتان الأكبر: طائفة الختمية أو الميرغنية (الاحزاب الاتحادية)، مقابل طائفة الأنصار أو المهدية (حزب الأمة والاستقلاليين).
ورغم كل حركة التاريخ والتحولات والتغييرات، ظلت الهيمنة الطائفية قائمة على الحركة السياسية حتى اليوم. وتبدو الطائفتان وكأنهما تحولتا إلى ظواهر طبيعية، وليس ظواهر إنسانية أو اجتماعية. فهما أشبه بالنيلين: الأبيض والأزرق، في تشكيل تضاريس السودان الطبيعية والجغرافية.
وبعد ذلك، برز انشقاق صفوي أو نخبوي، كان له أخطر الأثر على تطور السودان قوميا وجماعيا. وأقصد، ظهور حركتيّ الشيوعيين والإخوان المسلمين في الجامعات والمعاهد العليا. ورغم أنهم أقلية، إلا أن تميزهم بالدينامية والقدرة على التنظيم وانتاج شعارات ايديولوجية ذات طابع حداثوي؛ جعل تأثيرهم المعنوي أكبر من حجمهم الكمي أو العددي. لذلك، أداروا صراعا مدمرا، هو خلف كل الكوارث التي يعيشها السودان اليوم.
فقد أدخلوا البلاد في صراع نخبة، لم تكن الجماهير البائسة تدرك ماذا يعني أو ماذا يريد؟
ومع أن المتعلمين خلال فترة النضال الوطني، كادوا أن يجمعوا على أن مشكلة التخلف هي محاربة الثالوث المعلوم: الفقر والجهل والمرض، وكان شعارا بسيطا وشاملا ويمكن أن يجتمع الناس حوله، لأنه يختزل غايات التنمية كلها، إلا أن ما تسمى «النخب العقائدية» أبت إلا أن تكرس وتعمّق الخلافات، فحولت معركة التنمية في السودان، وهي في منتهى البساطة، إلى جزء من حروب كبرى بين الدستور الإسلامي أو تطبيق الشريعة الإسلامية ضد الدستور العلماني.
وفي الجانب الآخر، هناك صراع طبقي أو حرب طبقية بين الاشتراكية والرأسمالية، بقيادة الطبقة العاملة أو البروليتاريا، وفي وقت لم يتجاوز فيه عدد العمال في كل القطر ثلاثة آلاف عامل في ورش صغيرة!
وفي السنوات الأخيرة، ومع غياب الديمقراطية، وأيضا صعود موجة أو هوجة المجتمع المدني، استبشر الناس خيرا.
وبالفعل، كان يمكن مع انتشار ظاهرة منظمات المجتمع المدني، أن نتوقع بروز تنظيمات تتجاوز عيوب التجمعات السابقة ذات العلاقات التقليدية، مثل العشائرية والشللية ومبدأ «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما»، خاصة وأن منظمات المجتمع المدني لها صفة موحية: منظمات طوعية.
وهذا يعني أنها ديمقراطية وحرة وحديثة تماما، وستساعد في الجماعية وتعلم الأجيال الصاعدة روح الفريق والتساند والمعاونة المتبادلة. ولكن الداء السوداني كان أقوى وأعمق، وغلب الطبع على التطبع، كما يقولون.
ونقلت معها كل ممارسات التنافس الأنانية والفردية التي لا ترى غير نفسها. تكاثرت منظمات المجتمع المدني دون حاجة حقيقية لهذا العدد المتضخم، إذ يكاد يصل عدد المنظمات المسجلة خمسة آلاف منظمة. وهناك تكرار واضح في الأغراض والأهداف، ولكن المنظمات تجد صعوبة في حل نفسها والاندماج في منظمة مشابهة.
وفي بعض الأحيان يطالب المانحون بتكوين شبكات، ولكنها في حقيقتها شبك (بكسر الشين).
وفي بعض الأحيان يقدم بعض المنظمات معلومات سلبية للمانحين الأجانب، عن منظمات سودانية معادلة لها بقصد حرمانها من الاعانات والمنح.
ورغم أن المانحين يتعاملون مع المشروعات المقترحة بغض النظر عن عدد المتقدمين في أحيان كثيرة، إلا أن أغلب الناشطين السودانيين يظنون أن كثرة العدد تقلل من فرصهم. وقد ظهرت هذه الممارسات الرديئة أثناء الانتخابات والمراقبة، فكانت الأموال الكثيرة التي دخلت البلاد، سببا في سوء الأداء ومحاولة إرضاء «الخواجات» بكل السبل!
طال التشرذم مجالات كثيرة في الحياة العامة السودانية، وكاد أن يتحول إلى صفة من طبيعة الإنسان السوداني. فلك أن تتصور أيها القارئ الكريم، أن الانقسام لم يعد حصرا على الأحزاب، بل إن كل الاتحادات والمنظمات المختلفة منقسمة ومقسمة.
وهي في الأصل اتحادات لمبدعين، مثل اتحاد التشكيليين السودانيين، واتحاد الكتاب السودانيين، واتحاد الدراميين أو المسرحيين. والسبب هو تسييس الإبداع ويغيب الإبداع، ليفسح المجال لأناس هم أنصاف مبدعين وأنصاف سياسيين في هذه الاتحادات.
نحن هذه الأيام مشغولون بانفصال الجنوبيين، ولكن ألا يتوجب علينا أن نخشى من انفصال الشماليين عن أنفسهم؟ كيف يمكن للسودانيين الاتفاق حول قضايا كبرى بصدق وتجرد؟ هذه أسئلة أوقات الأزمات، لا بد أن تناقش وتقلقنا وتزعج رضانا الزائف عن أنفسنا وأعمالنا.
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
