لا أدري لماذا اختفى المؤرخون في العراق؟ لماذا سكتوا؟ لماذا صمتوا؟ ولم يعودوا يتكلمون! لماذا هربوا عن معالجة موضوعات وقضايا مهمة يحتاجها كل العراقيين؟ بل غدا بعضهم لا يكتب إلا في موضوعات مبسطة لا نفع فيها! إنهم يشهدون الساحة العراقية، وقد امتلأت بأشباه الكتّاب الذين يكتبون التاريخ على هواهم وبعواطفهم الأيديولوجية، ومن خلال تخندقاتهم الطائفية وتوجهاتهم الجديدة..

انهم يشهدون ما يكيله البعض من إساءات لتاريخ حافل بالأحداث والأمجاد، أو مثقل بالشخوص والوقائع والتناقضات.. لقد بات العراقيون اليوم بلا رؤية ولا منهج ولا توثيق ولا معرفة، تعينهم في معالجة جملة قضايا تاريخية أساسية، بعيدا عمن كانوا يفاخرون بهم ليل نهار، وبعيدا أيضاً ممن ينالون منهم ويمقتونهم صباح مساء!

كلنا يعرف انقسام العراقيين في تقييمهم، ليس لتاريخ العراق فحسب، بل كل التاريخ العربي والإسلامي. وهنا، كم أتمنى على المثقفين العراقيين جميعا، الاستئناس بما يقوله المؤرخون المختصون.. لا للإيمان بوجهات نظرهم، بل لمساءلتهم عن تفاصيل ومعلومات مؤرشفة..

لقد كتب أولئك المختصون ـ مثلا ـ مقالاتهم وبحوثهم وكتبهم عن تاريخ العراق المعاصر.. فضلا عن مئات الرسائل والأطروحات العلمية التي لم يطلع عليها عامة الناس، ليتبلور مفهوم عراقي جديد عن تاريخ العراق في القرن العشرين.

فالمشكلة ليست في ما يكتبه هذا أو ذاك من المؤرخين، ولكن ما يأتي به من وثائق ومعلومات دامغة تسكت كل الألسنة.. ولقد استطاعت المعلومات الوثائقية والدراسات المعمقة، أن تغيّر مفاهيم وقناعات، حتى لمثقفين كبار، عن عهود وشخوص وزعماء وقرارات.. هذا ما أتوقع حدوثه بعد أن يرحل كل أهل القرن العشرين عن الدنيا، ليقف أبناء هذا القرن فيقولوا كلمتهم ويصوغوا مفاهيمهم، ويحددوا مجال الصواب والخطأ..

ويدركوا مع الزمن حجم الجنايات التي كالها السياسيون والمتحزبون والمتخندقون.. أو ما يبثّه أبناء طوابير خامسة في العراق، لا يهمها العراق ولا تتعاطف مع اهل العراق، بل تعتمل فيها أحقاد خفية ضد كل تاريخ العراق، وكل تراث العراقيين وفولكلورياتهم وتقاليدهم.

هكذا وجدنا العراق وقد انتهى اليوم إلى أرض خربة.. إنني أفكر في شعب ينقسم في تقييم تاريخه، إلى مفاخرين به، وبالعباسيين بالذات، مقارنة بكارهين يمقتون ذلك «التاريخ» مقتا شديداً!

إن المشكلة أيضاً ـ كما يقول ماكس فيبر ـ تكمن في وجود عقليتين اثنتين، أولاها عملية والثانية إيهامية، فالأولى منتجه برغم كل ما يعترضها، والثانية خيالية ليس لها إلا ايهام نفسها والآخرين بالمصداقية.. علما بأن لكل مجتمع تناقضاته، ولكل زمن مثالبه.

إن أكبر مشكلة يعيشها العراقيون هي انهم لا يتقبلون نقد انفسهم.. انهم يتعصبون لبطل أو حدث أو عهد أو زمن، دون أن يتسامحوا مع بعضهم أبداً! من ينقل إليهم الصدق لا يصدقونه.. من ينقل اليهم الكفر يكفرونه.. من يكون حياديا بين الأطراف لا يطيقونه.. من ينتقد مواقفهم يشهّرون به بالضد.. من ينصحهم يشتمونه.. م

ن يسألهم مجرد سؤال عابر، فانهم يلفون ويدورون ولا يجيبونه.. إن عشقوا أحدا جعلوه نبيا مرسلاً، وإن كرهوا أحداً جعلوه في أسفل سافلين.. المشكلة ليست سياسية أو فكرية، بل إنها سلوكية وتربوية في الأصل.. وعليه، فهم لا يقبلون أبدا ثقافة الاعتذار..

وستبقى هكذا حالهم إن بقوا يرضعون التناقضات منذ صغرهم.. سيبقون هكذا عندما يتعلمون في بيوتهم أشياء، ثم يتلقون أشياء أخرى في المدارس والحياة العامة.. عندما لا يحكّون أدمغتهم ليبحثوا عن أجوبة مبسطة لأسئلة مواجهة حقيقية..

إن لكتابة التاريخ مدارس وفلسفات ومناهج، لا بد أن يتمكن منها كل الباحثين والدارسين.. أما النزعات الذاتية، فينبغي التخلص منها حتى تتم القطيعة بين الذات والموضوع. هنا تكمن مشكلة أخرى، ذلك أن الإنسان تربية وتكوين ونزوع وأهواء، والأخطر ما يؤمن به من مؤدلجات ومعتقدات، فهو يصبغ كل شيء بصبغته المؤدلجة التي يؤمن بها..

إن العراقيين يواجهون اليوم اعتى التحديات وهم يقرأون تاريخهم، فكل يغنّي على هواه، ضاربا كل المواضيع وكل المناهج وكل النقد المقارن وكل المدارس النقدية.. فهذا قومي وذاك شيوعي والآخر بعثي، وهناك إسلامي، والإسلامي أكثر من صنف وكل منها ينقسم بين متطرف ومحايد، فضلا عن نزعات قومية بين عربي وكردي وتركماني وآشوري.. الخ.

وزاد الطين بلة أن هذا متعاطف مع جمهرة معينة ويتعصب جهويا لها، والآخر مع جمهرة أخرى ليتعصب لطرف آخر..

حتى اني أجد بعض الأحيان وأنا اقرأ بعض ما يكتبه البعض، انه يخالف فقط من أجل المخالفة، وآخر يختلف مع عهد سياسي لمجرد أن مسحته عربية صرفة، وآخر يزوّر الأحداث حتى ينال من عهد معين، وغيره يرمي بمشكلته الطائفية في وجه الآخرين ليتهمهم بنفس أمراضه.

أخطر ما يمر به العراقيون اليوم هو أنهم يتهمون بالمسؤولية عن مقاتل تاريخية وصراعات دموية مضى عليها أكثر من ألف سنة! إن هذه النزعات لا يمكن أن يتخلص منها المجتمع، إن بقي دون ثورة فكرية مدنية، وقطيعة حقيقية بين نفسه وبين الواقع من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إن كانت هناك سياسات تربوية مدنية تسمو بالإنسان إلى درجات أعلى من التفكير، وتبعده عن معبده الذي يثوي فيه ليل نهار.

مؤرخ عراقي

sayyarjamil1@hotmail.com