منذ ما ينوف على العام، اتخذ الرئيس الاميركي باراك أوباما ما خيل أنه قرار جريء، بحسب بعض التحليلات، قد يطيح به من عيار رصاصات جون كينيدي الغامضة: منع أي نشاط لجماعات الضغط الأميركية (اللوبي) داخل أروقة البيت الأبيض.
حينها كان القرار هذا يعني للبعض كسر كبريات المسلمات في اللعبة السياسية الاميركية الداخلية، وعبثاً غير محسوب العواقب في أعراف وأسس هذه اللعبة، التي تقوم على تنازع النفوذ بين «اللوبيات» وأقواها على الاطلاق «ايباك» اليهودي.
وعليه انتظرنا، نحن معشر المنتظرين الازليين، تغييراً جذرياً في السياسة الاميركية، ولوناً جديداً مع تغيير لون سيد البيت الابيض الى نقيضه. لكن «غودو» خاصتنا لم يأت، وجفت خشبات مسارحنا السياسية، وعدنا الى الكواليس نعد حلقات الشكائين البكائين.
التي ترتل مآثر جلد الذات، وخطأ التعويل على المنتج القيادي الاميركي الجديد، دون التركيز على يد الصانع الماهر ل«اللوبي» المعادي لمصالحنا وقضايانا العادلة.
على أن العلة هي العلة، ورغم ازدحام قواميسنا بوصايا تعلم لغة الاقوام اتقاء لشرورهم، إلا أن جهل العربي بالنظام السياسي الاميركي، جعل من تحليلاتنا السياسية وجهاً متقدماً في السن فقط، لمواضيعنا الانشائية المدرسية.
الدستور الاميركي الذي تمكن من صهر ما لا يصهر من أعراق وطوائف وجماعات مصالح، حرص في وصفته الذكية على توزيع مواقع القرار بين مختلف السلطات، منعاً لتغول واحدة على الاخريات؛ فالبيت الابيض وسيده أياً كان لونه، يدرك حدود قوته ومساحاته اللونية، وإلا حل القتام في جنباته.
وكذلك الكونغرس بمجلسيه: الشيوخ وممثلي الشعب، أو كما يحلو لنا صبغهم بوصف النواب، خبر عبر عقود من السنين حقائقه التوقيفية التي تجنبه لجوء الرئيس الاميركي الى أدواته الدستورية المعطلة لخطط «الكونغرس»، هذا فضلاً عن المحكمة العليا التي يعينها الرئيس لتمارس سلطاتها الرقابية عليه قبل الدستور.
توزيعة مراكز القرار الاميركي هذه، تضمن الحد الادنى من توازن المصالح الاستراتيجية، وبقاء هذه المصالح أهدافاً عليا لكل المراكز، وهو ما اعتدنا تسميته «الاستراتيجية الاميركية»، التي يتعاقب على ترجمتها الحزبان الرئيسيان الجمهوري والديمقراطي.
ما أقدم عليه أوباما لا يعدو أكثر من كونه تنظيف أروقة البيت الابيض من نفوذ «اللوبيات»، بمعنى ضمان حيادية موظفي هذا البيت، بما أن غالبيتهم هي بيروقراطية بحتة خلا مستشاريات الامن القومي والوطني ونائب الرئيس.
في المقابل فإن هذه الخطوة تعني تغييراً تكتيكياً في استراتيجية «اللوبيات»، وتحديداً اليهودي، وإزاحة تركيزها نحو أروقة الكونغرس لسببين:
الأول؛ يختص بالرئيس الاميركي المنتخب من الشعب، والذي لا يمكن التكهن بأي انقلاب فكري قد يعتريه، ولا سيما أن الشعب هو الذي منحه التفويض الكامل وليس جماعات محددة.
والثاني؛ أن ممثلي الشعب في مجلسي الكونغرس لديهم التأثير الاكبر على فئات الشعب، وبالتالي فهم من ينبغي ملاحقتهم لضمان بقاء الرأي العام الاميركي محتشداً خلف اسرائيل، ولا سيما مع بدء تنامي الاصوات الداعية إلى إعادة النظر في العلاقة مع الدولة اليهودية، بل وحتى اعتبار هذه العلاقة مصدراً للخطر على المصالح الاميركية في ما وراء البحار.
النتيجة واحدة: كم محاولة عربية واكبت بدء حقبة أوباما، في استضافة ومحاولة استمالة أعضاء الكونغرس؟ بالطبع، صفر هو أعدل تقدير لما يسمى بسياساتنا الخارجية، ونشاط جامعة عربية لم تتعد بعد في حقيقتها مرحلة الابتدائية!
Adonis02@hotmail.com