يروي المرحوم حبيب محمد الرضا، الوكيل المساعد السابق لشؤون الإمارات الشمالية في وزارة الإعلام والثقافة (قبل إلغائها)، أنه ذهب ذات يوم إلى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، يخبره أنهم قاموا بمنع إحدى المجلات الأجنبية من الدخول لأنها كتبت كلاما يسيء إلى دبي، فما كان من الشيخ راشد (رحمه الله) إلا أن قال بحكمته المعهودة:

ولماذا تمنعونها؟ اسمحوا لها بالدخول ليقرأها الناس، فإذا كان الكلام الذي تقوله عنا صحيحا فنحن نستحق ذلك، وإذا كان غير صحيح فلن يصدقه أحد، وسيكتشف الجميع كذب المجلة ولن يصدقوا ما تكتبه بعدها.

تذكرت هذه الرؤية الحكيمة للشيخ راشد (رحمه الله) وأنا أشاهد برنامج «دبي هي العالم»، الذي أنتجه تلفزيون BBC عربي وبثه قبل أيام في توقيت غير مفهوم (بالنسبة لي على الأقل)، متصورا أنه يزيح الستار عن سر الأسرار، بينما لا يجد فيه المشاهد العادي الذي يعرف طبيعة الحياة في الإمارات عموما، وفي دبي خصوصا، شيئا غير مألوف، عدا تلك المغالطات التاريخية، وتلك الرسائل المدسوسة لغاية في نفس القناة، لن نجهد أنفسنا في البحث عنها.

ويبقى على خبراء الإعلام بعد هذا، أن يقيّموا لنا البرنامج من الناحية المهنية والموضوعية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار عراقة المؤسسة التي أنتجته، ومدى المهنية والموضوعية اللتين يجب أن تتحلى بهما وهي تنتج برنامجا من هذا النوع، يضعها على المحك أمام تاريخها ومصداقيتها، وهي التي تذكر على موقعها الإلكتروني العربي أنها «تبث أخبارا غير متحيزة ودقيقة، ومعلومات مبنية على الخبرة والتحليل المعمق».

وتقول «لقد أثبتت استطلاعات الرأي المستقلة أن مستمعي BBC يعتبرونها الأكثر مصداقية والأكثر نزاهة وموضوعية في العالم العربي، إلى جانب سمعتها الراسخة في جودة الخدمة المقدمة».

إن من يشاهد البرنامج، إذا كان يعيش في دبي أو لديه إلمام كافٍ بطبيعة الحياة فيها، لا يجد غرابة في خط سير الأحداث في حياة الشخصيات الأربع التي بُنِي عليها السيناريو، لأنها تعيش في مدينة يصدق عليها فعلا وصف «العالم».

حيث يجتمع على أرضها، وأرض الإمارات عموما، أكثر من 200 جنسية، من الطبيعي أن تتفاوت مستوياتهم المادية والاجتماعية والثقافية، ومن المنطقي أن تختلف طرق تفكيرهم، باعتبارهم ينتمون إلى عرقيات وإثنيات وثقافات متعددة، قلّ أن تجد أرضا في حجم مساحة دبي (التي يتحدث عنها البرنامج) تستطيع أن تجمعهم في وئام، وبأقل قدر من المشاكل التي يمكن أن تنشأ عن وضع مثل هذا.

لكن دبي فعلت وما زالت تفعل ذلك، رغم الأزمة الاقتصادية التي ألمت بالعالم أجمع ولم تخصّ دبي وحدها، فقد كان من الطبيعي أن تتأثر دبي لأنها جزء فاعل في اقتصاد المنطقة والعالم، وليست مدينة هامشية، إذ لو كانت كذلك لما مسها أذى، شأنها شأن غيرها من الدول والمدن التي تعيش على هامش اقتصاد العالم، بعيدا عن بؤرته.

وإذا استعرضنا أحداث حياة الشخصيات الرئيسية الأربع التي دار حولها البرنامج وما آلت إليه أحوالها، نجد أن المهندس المعماري المصري «أحمد الدسوقي» الذي جاء إلى دبي قبل خمسة أعوام وفقد وظيفته بعد الأزمة المالية، حصل على وظيفة أخرى في أبوظبي، لكنه لم يتخل عن الإقامة في دبي وظل ينتقل يوميا بين مقر سكنه ومقر عمله ويمارس حياته العادية؛ فنراه يلعب كرة القدم مع مجموعة من الرجال والنساء في صالة مغلقة.

ويمارس هواية التصوير الفوتوغرافي في خور دبي، ثم يلتقي في مطعم راقٍ مع أصدقائه المحظوظين (كما يصفهم البرنامج)، الذين تعرف عليهم عن طريق الفيس بوك.

كما نجد رجل الأعمال الإماراتي الشاب «يحي لوتاه»، الذي يرسم طريقه على خطى حاكم دبي (وفق تعبير البرنامج)، يقول: «لا ندّعي الكمال، لكن نحن ندّعي السرعة، ندّعي المثابرة، ونتعلم من أخطائنا، وهذا يبقينا في المقدمة»، كما نراه يمضي في تنفيذ مشاريعه تاركا الأزمة المالية خلفه.

وكذلك الحارس البنغالي «صلاح الدين»، الذي جاء إلى دبي عام 2006 بعد تجربة مريرة في إحدى الدول الخليجية، نجده غير متذمر من عمله الذي يستمر 12 ساعة في أحد الفنادق، فهو يصرف أقل من نصف راتبه على الطعام والسجائر والمكالمات الهاتفية، ثم يحول الباقي لأسرته المقيمة في بنغلاديش التي يقول عنها إنها «بلد جيد ولكن لا يوجد فيها عمل».

وحده البريطاني «كيفن دريبر» الذي جاء إلى دبي قبل 14 عاما، يبدو متضررا بعد فترة انتعاش عاشها في دبي، أسّس خلالها شركة تعمل في مجال تنظيم المعارض، حيث نجح المشروع الذي يعمل فيه 250 عاملا، وأصبحت لديه أصول مالية بلغت 11 مليون جنيه إسترليني، الأمر الذي أتاح له السكن في فيلا بجزيرة النخلة، بجوار «ديفيد بيكهام» و«مايكل شوماخر» و«بول سكولز» و«مايكل أوين».

والكثير من نجوم بوليوود، ثم تبدد حلمه وانهارت شركته تحت ضغط الديون التي تراكمت عليها، وملاحقة أصحاب الشيكات المرتجعة له (ربما لسوء إدارته، وهذا ليس ذنب دبي)، ليقف ليلة افتتاح «برج خليفة» خارج المشهد قائلا:

«أشعر أنني أقف على الهامش كالمتفرج وأنا أتساءل؛ من الذي نظم الحفل؟! ما هو اسم الشركة؟ لأنه في السابق كان يطلب من شركتنا تنفيذ بعض العناصر».

هكذا وصل حلم دبي إلى نهايته لدى البريطاني «كيفن دريبر»، فهل يكون هذا سببا كافيا كي تُضَمِّن مؤسسة عريقة مثل BBC برنامجها كل تلك الرسائل الملغومة، التي خرجت به عن سياقه الذي كان يمكن أن يكون مقبولا لولاها؟

ربما كانت للقناة البريطانية أسبابها ودوافعها، ولكن لنا نحن أيضا، أهل الإمارات ودبي، أسبابنا ودوافعنا التي تجعلنا لا نتنازل عن حلمنا، ونتمسك بأن «دبي هي العالم» حقيقةً، وليس مجرد عنوان ساخر لبرنامج أراد أن ينال من مدينتنا التي ستستمر حلما للجميع، و«بلدا متعدد الثقافات ومنفتحا» مثلما وصفتها الفتاة الصربية في شهادتها في البرنامج، وسيبقى أهلها والمقيمون فيها «محترمين جدا» كما قالت زميلتها الكندية.. لأن «دبي هي العالم» فعلا، بدليل تمسك المقيمين بها، ولهفة البعيدين إليها، وحسرة الراحلين عنها على أنفسهم.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com