عشية 23 يوليو 1952، كان المجتمع المصري في غالبية فئاته، قد وصل إلى درجة من الغليان والغضب من الأوضاع السياسية والاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد في ظل احتلال انجليزي، وفساد سياسي صنعه القصر، وساهمت فيه أحزاب نسيت المشروع الوطني من اجل الاستقلال، وراحت تتصارع على سلطة تجاوزها الزمن، ولم تعد قادرة على مواجهة التحديات التي كانت تنتظر المصريين في النصف الثاني من القرن العشرين.

في ظل هذه الأجواء كان تنظيم الضباط الاحرار، الذي ضم مجموعة من الضباط الوطنيين، الذين عذبهم ان يروا بني وطنهم وقد اعتصرهم الفقر، وأكلهم الجهل، قبل ان تنهشهم الأمراض، يسعون بصدق وإخلاص، للخروج ببلدهم من المأزق الذي وصل إليه، تحدوهم آمال الاستقلال، ودفع الجور وإقامة العدل، والتسلح بالعلم، سبيلا للتقدم والرقي، وهي الآمال العراض التي ناضل في سبيلها من قبل احمد عرابي ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وكانت سببا قي اندلاع ثورة 19 بقيادة سعد زغلول.

اليوم وقد مرت على ثورة يوليو 58 عاما، يحلو للبعض ان ينبش في دفاترها القديمة، ويقلب صفحاتها، وما أحدثته من تغييرات ليس على ضفاف النيل وحدها، بل في محيط مصر العربي وفي ساحتها الافريقية والعالمية، في استرجاع للحظات تاريخية، كان لها عظيم الاثر الذي يصعب تجاهله.

ومع احتفالات مصر هذه الأيام بذكرى الثورة، عاد الجدل في أوساط السياسيين والإعلاميين بشأن ما صنعته يوليو في حياة المصريين، وحفلت وسائل الإعلام المصرية بالعديد من المقالات والتحليلات، التي فضل بعض كتابها تناول الثورة من منظور سلبي، وكأنها المسؤولة عن كل الشرور الموجودة على ظهر البسيطة، ولم يوفر هؤلاء نقيصة الا وألصقوها بالثورة وقائدها جمال عبد الناصر، باعتبارها جالبة الخراب والدمار لكوكب الأرض.

كما راح البعض بدافع عداء أعمى لثورة يوليو، يخلط الحقائق بالأكاذيب، وكأن ذاكرة التاريخ مثقوبة، لا يمكن الاعتماد عليها، اذا ما تصدى الباحث الأمين لمثل تخاريف هؤلاء الذين حولوا كل انجازات الثورة، التي يعترف بها القاصي والداني، إلى سلسلة من الفشل.

فمجانية التعليم، في نظر هؤلاء، أفسدت العلم، رغم انهم ـ في تناقض واضح ـ يزعمون ان هذه المجانية قد طالب بها عميد الادب العربي طه حسين قبل الثورة، وهي اذن ليست من بنات أفكارها.

واختزل هؤلاء الثورة في نكسة 5 يونيو 67، باعتبارها أم الكوارث، متناسين ان الثورة ذاتها التي تربصت بها قوى الاستعمار من كل جانب، لم تستسلم للهزيمة، وباشرت في حرب الاستنزاف التي مهدت لنصر أكتوبر 1973 فيما بعد.

وإمعانا في الخصومة، باتت إعادة توزيع الثروة، والسد العالي، وبناء آلاف المصانع، والرعاية الصحية المجانبة، كلها في عرف هؤلاء مسؤولة عن كل ما يعانيه المصريون من مشكلات في الوقت الراهن، رغم ان ثورة يوليو دخلت مرحلة التجميد بوفاة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، وما تلي ذلك من انقلاب على الثورة ومبادئها.

وإنصافا للحق، فلم تخل بعض الكتابات والآراء من الرؤية الموضوعية في تقييمها لما فعلته 23 يوليو، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وربط هؤلاء بين ما وقع من احداث ليلة الثورة وما سبقها من سنوات صراع مع القصر والانجليز، وأشواق المصريين إلى التحرر والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات، وهو ما انزلته الثورة من خانة الاحلام إلى أرض الواقع.

يخطئ من يظن ان ثورة يوليو المصرية، نبت شيطاني هبط على رؤوس المصريين في غفلة من الزمن، وانها لم تكن وليدة سنوات طوال من النضال الذي شارك فيه الاجداد، وواصله الآباء، وحققه الأحفاد الذين حافظوا على شعلة الاحلام في العيش على ارض وطن عزيز، خال من المحتل، وهذا وحده انجاز، يكفي الثورة شر هواة خلط الأوراق.

tnh57@hotmail.com