زارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل روسيا منذ أيام لحضور القمة التشاورية رقم 12 بين ألمانيا وروسيا، ودارت بينها وبين الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف مباحثات مطولة لعدة ساعات امتدت للثانية بعد منتصف الليل.
وبدون مترجم، وبما أن ميدفيديف لا يجيد الألمانية فمن المفترض أن الحوار بينهما كان باللغة الروسية التي تجيدها أنجيلا ميركل، وأثمرت اللقاءات عن توقيع عشرة اتفاقيات بين البلدين، نالت منهم الشركة الألمانية العملاقة «سيمنس» نصيب الأسد في مجالات مختلفة كالطاقة وقطارات السكك الحديد والتقنيات العالية وغيرها، علما بأن سيمنس لديها خبرة عالية في العمل في روسيا منذ الحقبة السوفيتية.
المباحثات بين ميركل وميدفيديف كانت بعيدة عن وسائل الإعلام، مما أثار الضجر لدى الصحفيين الذين انتظروا الرئيسين لساعات طويلة، فقرر أحدهم إحراج المستشارة ميركل بسؤال مباشر: أيهما الأفضل لك في التعامل .. الرئيس ميدفيديف أم الرئيس أوباما؟، فأجابت ميركل : «لكل منهما مميزاته والمزج بينهما أفضل».
حول هذه الإجابة الدبلوماسية من المستشارة الألمانية خرجت العديد من وسائل الإعلام تكتب حول توجهات السياسة الخارجية الألمانية التي تبدو منذ عهد المستشار السابق جيرهارد شرويدر وحتى الآن وكأن بوصلتها تميل أكثر نحو الشرق منها إلى الغرب.
حيث كانت ألمانيا أول الدول الأوروبية التي رحبت بدخول خطوط نقل الغاز الروسية إلى الأسواق الأوروبية، مما أعطى روسيا مكانة كبيرة في سوق الطاقة الأوروبية بحيث أصبحت وحدها تحتكر أكثر من 40 % من موارد أوروبا من الغاز الطبيعي، ومكافأة لألمانيا على سياستها أسندت شركة غازبروم الروسية العملاقة رئاسة خط الغاز الشمالي من روسيا لأوروبا للمستشار الألماني السابق شرويدر بعد تركه المستشارية الألمانية بعد هزيمته عام 2005 أمام أنجيلا ميركل بفارق ضئيل 1% فقط.
حيث تقرر آنذاك تشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة شرويدر وحزب المسيحيين الديمقراطيين بزعامة ميركل التي تولت المستشارية ليبتعد شرويدر ويعتزل الحياة السياسية، وتنفست واشنطن الصعداء بابتعاد شرويدر الذي كان من أشد المعارضين للسياسة الأميركية، وخاصة في حرب العراق، وكان يميل بشكل واضح للتقارب مع روسيا.
وتفاءلت واشنطن بأنجيلا ميركل باعتبارها خليفة المستشار الأسبق هيلموت كول في رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي، والذي كان معروفا بولائه الواضح لواشنطن وسياساتها الخارجية، خاصة وأن شرويدر بعد تركه الحكم هاجم ميركل بشدة وانتقدها في مذكراته الخاصة.
كما أن ميركل كانت من مواطني ألمانيا الشرقية التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي في زمن الحرب الباردة، مما يفترض معه أن تكون من الرافضين لموسكو وسياساتها مثل باقي الساسة في دول أوروبا الشرقية الخارجة من عباءة النفوذ السوفييتي.
ولكن على ما يبدو أن أنجيلا ميركل خيبت ظن واشنطن ووضعت مصالح ألمانيا فوق كافة الاعتبارات الحزبية والشخصية، وسارت على نفس نهج شرويدر في التقارب مع روسيا بشكل واضح.
بل أكثر من شرويدر ذهبت ميركل تنتقد بشدة سياسات واشنطن في إدارة حلف الناتو رافضة مشاركة القوات الألمانية في العمليات القتالية في جنوب أفغانستان، وذهبت تطالب أيضا بإجراء عملية إعادة بناء للحلف وصفها وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس بأنها تهدف لتفتيت الناتو وانهياره.
أكثر من ذلك أيضا استطاعت أنجيلا ميركل جذب فرنسا لصفها داخل الاتحاد الأوروبي، بعد أن كان باديا على الرئيس الفرنسي ساركوزي ميولا كبيرة نحو واشنطن، فأصبحت برلين وباريس يشكلان ما يشبه جسرا واضحا للتقارب بين أوروبا وروسيا مناهضا لتوجهات واشنطن في القارة الأوروبية، وخاصة في مسألة الأمن الأوروبي.
وقد بدا هذا واضحا بعد الحرب في القوقاز في أغسطس 2008 ودخول القوات الروسية أراضي جورجيا، مما أثار غضب واشنطن التي طالبت الأوروبيين بموقف حاسم ضد روسيا، فلم تستجيب فرنسا وألمانيا، وتبعتهما دول أوروبية أخرى، وأكثر من ذلك أبدا البلدان رفضهما لضم جورجيا وأوكرانيا لحلف الناتو لأن هذا لأمر يغضب روسيا ويؤثر على العلاقات معها.
لا شك أن التقارب الروسي الألماني يسبب إزعاجا كبيرا لواشنطن، ويشكل أيضا في رأي البعض تهديدا لمصالحها الحيوية والاستراتيجية في القارة الأوروبية، خاصة وأن ألمانيا أكبر قوة اقتصادية في القارة وروسيا أكبر قوة عسكرية وسياسية في نفس القارة، الأمر الذي يشكل من تقاربهما خطرا كبيرا على الوجود الأميركي الذي استمر في أوروبا أكثر من نصف قرن بدون منافس.
خبيرة الطاقة الروسية