ثمانية وخمسون عاماً على الثورة العربية الأم التي غيرت وجه مصر والأمة العربية. وأربعون عاماً على رحيل قائدها جمال عبدالناصر، ثم الانقلاب على السياسات والتوجهات التي أرستها يوليو وقائدها بعد رحيله، واعتماد خلفه السادات على سياسات أخرى قادت مصر والأمة العربية إلى وضعها الراهن..

ومع ذلك ما زال الثالث والعشرون من يوليو موسماً سنوياً لحملات «الردح» السياسي وغير السياسي على ثورة يوليو وقائدها.. وما زالت حملات التشويه التي لم تتوقف يوماً منذ حددت ثورة يوليو موقفها ضد الاستعمار والتخلف ومع استقلال العرب ووحدتهم وتقدمهم وسيطرتهم على مقدراتهم واستعادتهم لحقوقهم المشروعة في الحرية والعدل..

ما زالت هذه الحملات مستمرة لتشويه التاريخ وتزوير الوقائع ومحاولة إلغاء ما أثبتته هذه الفترة الحاسمة في تاريخنا العربي من قدرة هذه الأمة على تحقيق أهدافها حين تمتلك مشروعها للنهضة والإرادة المستقلة والقيادة التي تجمعها في الطريق الصحيح.

لقد تغيرت الظروف، وأثمرت جهود السنوات الطويلة في الانقلاب على سياسات يوليو وتوجهاتها، وتمت تصفية الكثير من إنجازاتها في الداخل، وتمت محاصرة دورها في العالم العربي، وتغير الطريق بعد انتصار أكتوبر ليكون «كامب ديفيد» بداية طريق جديد، ولتكون 99% من أوراق اللعبة أو أوراق المصير في يد أميركا، وليس في أيدينا، ولتصبح المنطقة العربية أرضاً مستباحة للقوى المحلية والدولية التي تبحث عن مصالحها وتوسع نفوذها وتتصارع على حساب العرب..

وإسرائيل تعلن بالفم المليان أنها لم تكن أكثر أمناً ولا أشد اطمئناناً في يوم من الأيام مما هي الآن، ورغم إدانة الرأي العام في العالم كله لجرائمها فإنها تكتفي بالوعد بأنها في مذابحها المقبلة سوف تستخدم فسفوراً أقل (!!) في إشارة إلى القنابل الفسفورية المحرمة دولياً والتي تقتل بها الأطفال والمدنيين في جرائم حرب كان آخرها أثناء حربها العدوانية على غزة..

وبالطبع مطلوب أن نقرأ ونسمع ثم نشكر على هذا التنازل الإسرائيلي الكبير الذي ربما نكون مطالبين من جانب المبعوثين الأميركيين مقابلاً له بالمزيد من التنازلات وتطبيع العلاقات حتى لا تعود إسرائيل عما وعدت به، ولعل الشعار الجديد سيكون: «فسفور أقل.. تطبيع أكثر»!

نعم.. تغيرت الظروف، وحقق الانقلاب على يوليو على مدى السنوات الطويلة الماضية الكثيرة من أهدافه، ومع ذلك تجيء الذكرى فتزداد الحملات شراسة ويزداد العداء، ولا يفلح الزمن في التخفيف منه، لأن الأعداء يدركون ـ ربما أكثر منا ـ أنهم لا يتعاملون مع تاريخ مضى وانتهى حاله.

ولا مع مشروع انكسر وأصبح في ذمة التاريخ، بل يتعاملون مع مشروع مازال حياً في ضمير الأمة التي تعرف أنه وحده الذي استطاع في العصر الحديث أن يجسد أحلامها في هذه المرحلة وأن يفجر طاقاتها فتحقق به ومعه ما كان في نطاق المستحيل وهي تقاتل ضد قوى عاتية في الخارج والداخل.

ولا يعني ذلك بالطبع أن أحداً يتصور إعادة إنتاج هذه المرحلة كما هي وسط ظروف تغيرت، ولا يعني ذلك أيضاً النظر إلى تلك المرحلة على أنها رحلة من دون أخطاء، فقد كانت الأخطاء «بل والخطايا أيضاً» كثيرة.. ولكن الطريق كان واضحاً، والهدف كان محدداً، والانحياز للاستقلال وللعدالة وللعروبة والانتصار للعلم والتقدم كان هو البوصلة التي تهدي وترشد.

يعرف الأعداء ـ ربما أكثر منا ـ أن يوليو (بما أنجزته وبما لم تنجزه) ما زالت ميدان الصراع الأساسي، ولهذا يواصلون حملاتهم عليها ومحاولاتهم لدفنها في صفحات التاريخ، حتى لا تزعجهم في الحاضر أو المستقبل، ويعرف الملايين في مصر والعالم أن ما نعانيه اليوم ليس من صنع ثورة يوليو (كما يزعم الأعداء في الداخل والخارج)، ولكنه من صنع الانقلاب عليها.

داخل مصر.. يعرف الملايين يوماً بعد يوم قيمة العدل الاجتماعي الذي حققته ثورة يوليو وأعاد للغالبية العظمى من الشعب آدميتها المهدرة.. وتنكشف حقيقة الوعود الزائفة بالرخاء الذي وعد به من انقلبوا على يوليو منذ منتصف السبعينات فإذا بالحصيلة بعد هذه الأعوام كلها انهيار للطبقة الوسطى واتساع لمعاناة الفقراء وتراكم الثروات لدى قلة يزداد ثراؤها ويزداد فسادها أيضاً..

وتعرف الملايين أنها تعيش حتى الآن على إنجازات سنوات العطاء التي أعادت قناة السويس وبنت السد العالي وأقامت الصناعة الحديثة وقدمت أعظم نموذج للتنمية المستقلة. وتعرف الملايين أن محاولة إبعاد مصر عن عروبتها كانت جريمة دفعت هي وأمتها العربية كلها ثمنها، وتعرف أن الخطر الصهيوني سيظل جاثماً على الصدور رغم كل الاتفاقيات التي لم تفلح ولن تفلح في فرض التطبيع مع العدو الإسرائيلي.

وفي العالم العربي كله.. يفتقد الجميع مصر يوليو كما جسدها عبد الناصر وهو يخوض الحروب ويواجه أشرس الحملات دفاعاً عن حق العرب في أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم، وربما يستعيدوا ثرواتهم المنهوبة وثرواتهم الغائبة وأرضهم المغتصبة، وأن يرفعوا رايات العدل والاستقلال والوحدة على أرضهم المحررة من المحيط إلى الخليج العربي.

ويدرك الجميع أن مصر يوليو كما جسدها عبد الناصر هي ضرورة حياة لمصر وللعرب جميعاً، ويعرفون جيداً أنه في ظلها ما كان يمكن أن يضيع العراق، أو يصبح السودان برهن التقسيم، أو يذهب اليمن إلى المجهول، أو أن تتحول فلسطين إلى قضية صراع حول إدخال الحمص والمايونيز أو حتى الأسمنت إلى غزة، أو تتفجر حروب الطوائف بين سنة وشيعة أو مسلمين ومسيحيين.. وقد كانوا جميعاً في حضن المشروع القومي الذي تبنته يوليو ولم تتخل عنه يوماً حتى الانقلاب عليه.

من أجل هذا تظل يوليو ميداناً للصراع، وكلما تصور أعداؤها أنهم تمكنوا منها تفاجئهم الأحداث فيزدادون شراسة في محاربتهم. ومن أجل هذا لا تجد الملايين إلا صورة عبدالناصر في كل مكان والعالم العربي حين تخرج طلباً للحرية أو انتصاراً للعدل الاجتماعي أو رفضاً للطائفية.

ومن أجل هذا ترفض يوليو أن تتحول إلى مجرد صفحة من الماضي، بل تظل ميداناً لمعركة لم تكتمل فصولها حول الحاضر والمستقبل.. في مصر وفي الوطن العربي كله.

كاتب صحفي مصري

galal.aref@hotmail.com