عشرون عاماً من العلاقات المتطورة بين المملكة والصين الشعبية، علاقات لم تبن على المزايدات وعداوات الاستعمار، كما جرى مع الغرب، أو اليابان مع دول جنوب شرق آسيا، وحتى عندما حدث التحول الكبير من خروج الصين من الاقتصاد المؤمم والموجه مركزياً للدولة، إلى الفضاء الحر، كان الرهان على أن التجربة ستسقط لانعدام الكفاءة الإدارية، ورؤوس الأموال، وطاقات الإنتاج من المصانع المتطورة بالصين، لكن المفاجآت فاقت التصورات، عندما تسابقت الرساميل والمصانع لكسب حصة من السوق الضخمة، والاستفادة من الكفاءة البشرية الرخيصة الأجر، ففتحت كل الاتجاهات الممكنة، فكانت البداية بأرقام أحادية من الملايين، لتنتقل إلى البلايين، ما جعل لها علاقات تتصاعد على الجوانب العلمية والتجارية..

قدوم آسيا تقنياً واقتصادياً، والتحولات التي أدت إلى وجود عمالقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ثم الصين والهند وغيرهما، غيرت المعادلات في العالم كله، فهي الأقل تضرراً من أوروبا وأمريكا في الأزمة المالية الراهنة، وفي هذا دلالة على أن النهج الآسيوي أكثر نمواً وتماسكاً في السياسات المالية، والمملكة حين اتجهت شرقاً أدركت أن العامل الأساسي لاحتياجاتها الراهنة، والمستقبلية يأتي من تلك الدول مع الإبقاء على علاقة مع الدول الأخرى..

الدول الآسيوية عكس الغرب، تجعل السياسة خلف الاقتصاد وحتى نزاعاتها مثل الكوريتين، أو الصين مع تايوان، والهند مع باكستان، تجد فيها مناخاً معتدلاً للحل، ولا نجد هذه الدول تدخل في حروب خارجية، وحتى مساهمات قواتها في حفظ السلام تبقى الأقل تعرضاً للقتل والخلافات مع الدول المضيفة، لأنها فاضلت بين حيادية السياسة لصالح الاقتصاد، وقد تجاوزت المألوف في كسب كل العالم بكل أنظمته وقوانينه..

المملكة الأكبر اقتصاداً والأكثر تنوعاً في مشاريعها، وعندما أدخلت الصين سوقنا شريكاً في الإعمار والبحث العلمي، ومد السكك الحديدية والتبادل التجاري بمختلف الصادرات للسلع، فلقد بدآت رحلة الألف ميل للمئة عام، وهذا ليس تصوراً خيالياً، طالما الاتفاقات تجري وفق استراتيجية بعيدة المدى، ولعل العشرين عاماً التي مضت كانت مرحلة التأسيس لعمل أكبر، وأهم، وتميز هذه العلاقة جاء من طبيعة المنطلقات المشتركة وعوامل الثقة التي سادت كل الاتفاقات، والتي لم تنحصر على جانب واحد، بل تعددت ونمت بشكل موسع..

بداية العلاقة جاءت وموارد البلدين جيدة، وكان لابد من تنوع اقتصادهما وفق إيقاع ينسجم مع البيئة المفتوحة، وقد تحققت بالفعل طفرة في الصادرات والواردات وتبادل كل النشاطات، وهي خطوات أثمرت نتائج إيجابية، لتأتي العشرين عاماً بدايةً للعمل المثمر..