لم يكن مجرد مصادفة أن يأتي الإعلان عن انطلاق المشروع الساركوزي الفرنسي المسمى «الاتحاد من أجل المتوسط» من العاصمة الفرنسية في الثالث عشر من يوليو عام 2008 عشية ذكرى الثورة الفرنسية التاريخية في الرابع عشر من يوليو عام 1789، وذلك رغم تباعد المنطلقات والأهداف بين مشروع الثورة ومشروع الاتحاد.
فبينما كان مشروع «الثورة» الذي بدأ بتحرير المعتقلين من سجن» الباستيل «تحررياً» ضد الاستبداد والاستعباد والفساد حين رفعت شعارات الحرية والإخاء والمساواة، وكان التحرك من أجل التغيير الديمقراطي «شعبياً» حين أقامت أول جمهورية في التاريخ على أنقاض الملكية.
وكان مضمونها التبشيري «إنسانياً» حين أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية بعد الثورة أول وثيقة برلمانية عالمية لحقوق الإنسان. رغم أن الطريق إلى ذلك كان في النهاية «دمويا» و»مأساويا».
كان مشروع «الاتحاد» المتوسطي «استعماريا» بمحاولة استعادة النفوذ الاستعماري على المستعمرات العربية الإسلامية في إفريقيا وآسيا حول المتوسط، و«عنصريا» لإبقاء الاتحاد الأوروبي «تجمعا مسيحيا» بمحاولة إيجاد تجمع متوسطي بديل لاستيعاب تركيا لإبعاد تلك الدولة الإسلامية عن الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي».
وذو دوافع ساركوزية مناقضة لشعارات الحرية والإخاء والمساواة، بل ولحقوق الإنسان الفلسطيني والعربي والإسلامي، حين أراده «كحصان طروادة» بوابة مستترة لفرض الاعتراف السياسي العربي الواقعي بإسرائيل ونافذة خلفية للنظام العربي ليس فقط للتطبيع معها بل ول«الاتحاد» معها، بينما تتردد بعض دول هذا النظام في الاتحاد العربي مع بعضها!
منطلقا في ذلك من السعي لتقوية الدور الفرنسي السياسي والاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي في تنافسه مع الدور الألماني أو البريطاني، عن طريق استعادة وتوسيع وتعميق النفوذ الفرنسي على مستعمراته العربية المتوسطية الأفريقية والآسيوية السابقة خاصة دول المغرب العربي على الشاطئ الأفريقي في تنافسه مع الدور الأميركي والصيني.
وعلى سوريا ولبنان من حول فلسطين الشاطئ الآسيوي التي يتحرك فيها لصالح إسرائيل مواجها للدور الإيراني والتركي المواجه لإسرائيل التي تحتل بالعدوان فلسطين وتفرض الحصار البحري على غزة وتحاول بعد العدوان على «أسطول الحرية» وقتل نشطاء الإنسانية ومن خلال موقعها الرئيسي في الاتحاد الأورو متوسطي تحويل شرق البحر المتوسط إلى «بحيرة إسرائيلية»!
هذا التناقض في الأهداف وهذا التهافت في البنيان قد أديا ليس فقط إلى تأجيل عقد القمة الثانية لهذا الاتحاد المتوسطي في مدريد في يونيو الماضي، بل أدى أيضا إلى تأجيل المنتدى المتوسطي لبحث ملفات الزراعة والطاقة الذي كان مقررا عقده في القاهرة في الشهر الحالي، بسبب الدور العدواني الإسرائيلي في البحر المتوسط، ولم تعد الشكوك حول مستقبل هذه القمة المتوسطية المؤجلة فقط بل حول مستقبل هذا الاتحاد المتوسطي المتعثر.
وليس هذا الارتباك هو الأول في تعثر اجتماعات الاتحاد المتوسطي بمستوياته المختلفة بسبب العدوانية والعنصرية والتطرف الصهيوني في التعامل مع الدول العربية والإسلامية الأعضاء في هذا الاتحاد بما يهدد بنسف هذا الاتحاد من أساسه، بل حدث هذا بسبب إسرائيل أيضا بتأجيل اجتماعات الاجتماع الوزاري الأورو متوسطي الذي كان مقرر ا عقده في «استانبول» التركية نتيجة الموقف المصري الذي اشترط استبعاد الوزير الصهيوني المتطرف.
والمتهم بالنصب أمام النيابة الإسرائيلية «أفيغدور ليبرمان» من حضور الاجتماع الوزاري لدول الاتحاد بسبب تصريحاته التهديدية لمصر ولتطاوله على الرئيس المصري كشرط لحضورها وإلا فإنها ستقاطع الاجتماع..
ولما تعذر على فرنسا السماح لليبرمان بالحضور قررت تركيا تأجيل الاجتماع مثلما سبق وقررت تأجيل المناورات الأطلسية حتى لا تشارك إسرائيل.
إسرائيل قالت إن هذا الموقف المصري «يهدد بنسف الاتحاد الأورو متوسطي»، وإنها تظن هذه الرسالة المصرية لا تتحفظ على شخص «ليبرمان» ولكنها تتحفظ على التعاون مع إسرائيل، وإن صح مثل هذا الكلام فسيكون هذا الموقف المصري لاستبعاد المتطرف الصهيوني الملاحق قضائيا في إسرائيل بتهم النصب والاحتيال من المشاركة بمثابة صفعة مصرية بعد الصفعة التركية باستبعاد الطائرات الإسرائيلية التي أحرقت غزة من الاشتراك في مناورات «نسر الأناضول» حتى لا تلوث الأجواء التركية.
وفيما يعرف الجميع أن مصر هي الرئيس المشترك مع فرنسا لهذا الاتحاد الذي تكون في «باريس» بمبادرة ساركوزية فرنسية توافقا مع الخطط الأوروبية والأطلسية لوضع دول جنوب أوروبا على البحر المتوسط تحت مظلته الواسعة التي ضمت أيضا دولا عربية غير متوسطية، ولإدخال إسرائيل في عضويته في موقع متقدم «نائب رئيس»!
يقرأ البعض هذا الرفض المصري كرسالة مزدوجة لتل أبيب وباريس معا على خلفية موضوع اليونسكو في «باريس»، حين لم تر الرئاسة المصرية للاتحاد الأورو متوسطي جدوى من الموقف الأوروبي والفرنسي لا في مسألة تجميد المستوطنات ولا في تهويد القدس، كما لم تر أن الإفطار الرمضاني «لنتانياهو» في القاهرة.
ولا الغاز الرخيص، ولا مرور الغواصة الدولفين الإسرائيلية من قناة السويس ذهابا وإيابا قد أتي بنتيجة مع إسرائيل، ولا منع الحملة الصهيونية لإسقاط المرشح المصري في باريس، مثلما لم يمنع دورها المشبوه في ملف مياه النيل أخيرا ابتزازا لمصر! ..
ليغدو هذا الاتحاد بالملاحظات السلبية الكثيرة عليه، وأولها أنه يعني «اتحادا» بين إسرائيل و الدول العربية المتوسطية وغير المتوسطية التي هرولت للانضمام إليه، عدا ليبيا التي رفضت ورأت أن مثل هذا الاتحاد المتوسطي المفتعل يشق الجامعة العربية، ويشق «الاتحاد الأفريقي، فيما لا يوجد أي «اتحاد» عربي أفريقي، أو اتحاد عربي متوسطي حتى اليوم! .. ليبقى مشروع «الاتحاد العربي» مشروعا أكثر مشروعية وجدوى من الاتحاد الأورو متوسطي.. فهل يقرر العرب؟
كاتب مصري