أعاد خبر تبادل 11 جاسوسا روسيا، معتقلين في أمريكا بجواسيس أميركيين، للأذهان قصص الحرب الباردة. لكن هذا لن يضر بالعلاقات الأميركية الروسية. بل على العكس، من الملاحظ ان علاقة البلدين هذه الأيام أفضل بكثير مما كانت عليه قبل قضية الجواسيس. ويعود هذا إلى ثلاثة هناك ثلاثة أسباب رئيسية، كلها متعلقة برؤية الكريملين.

أولاً، إن اقتصاد روسيا الذي عانى كثيراً في الآونة الأخيرة بدأ الآن يتحسن بشكل ملموس. لقد أضرت الأزمة المالية بروسيا أكثر من معظم الأسواق الناشئة الأخرى، وذلك يعود جزئياً إلى الانخفاض الحاد في أسعار النفط.

وعندما اقترح أوباما لأول مرة «إعادة ضبط» العلاقات الأمريكية الروسية، كانت موسكو تعاني من نزيف شديد في احيتاطياتها، ولم يكن المسؤولون في الكريملين قد وصلوا إلى أي تصور واضح عن كيفية التعامل مع ذلك الوضع. كان رئيس الوزراء فلاديمير بوتين يقوم بزيارات مكوكية إلى مختلف المدن في أنحاء بلده ليؤكد للعمال المحليين أن أخطبوطات المال والأعمال المتواطئين، هم من يتحمل مسؤولية ما حدث، وليس المسؤولون الحكوميون، وان الحكومة ستضمن عودة الأمور إلى مجاريها.

وكان المؤشرات بدأت توحي إلى أن الرئيس ديمتري مدفيديف ومستشاريه ذوي التوجهات الغربية ربما يكونون أكباش فداء ملائمين، إذا تواصل الغليان الشعبي، ولم يتبق في جعبة بوتين المزيد من رجال الأعمال لتهدئة الناس بمعاقبتهم.

لكن الأمور تغيرت الآن. فالاقتصاد بدأ يتحسن بفضل بعض تكتيكات الإدارة الاقتصادية البارعة وبفضل ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى الخطر.

ثانياً، ان روسيا تشعر بقدر أكبر من الارتياح والاطمئنان حيال دول الجوار. فالثورة البرتقالية باتت شيئاً من الماضي، والانتخابات الأخيرة في أوكرانيا جلبت إلى السلطة فيكتور يانوكوفريتش الذي أزاح من على الطاولة محاولة بلاده للانضمام إلى الناتو على الأقل في المستقبل القريب.

كما أن الحرب الوجيزة التي خاضتها روسيا مع جورجيا في أغسطس 2008 كان لها أثر قوي على المدى الطويل. فلقد أظهرت روسيا أن بإمكانها حشر الرئيس ساكاشفيلي في الزاوية دون مواجهة ضغوطات كبيرة من جانب أمريكا أو أوروبا.

كما أن الاضطرابات الدائرة في قرغستان تقوى نفوذ موسكو في آسيا الوسطى، حيث اتفق الرئيسان الروسي ديميتري مدفيديف والأميركي باراك أوباما على التنسيق لتحرك بهذا الصدد تكون فيه روسيا اللاعب الرئيسي، كما يفهم ضمناً من الاتفاق. حتى أن روسيا استطاعت تحسين العلاقات مع بولندا في أعقاب حادثة تحطم الطائرة البولندية في الأراضي الروسية، والتي قتل فيها الرئيس البولندي، حيث احتشدت أعداد كبيرة من الروس أمام السفارة البولندية تعبيراً عن تعاطفهم، وزار بوتين موقع الحادث تعبيراً عن إجلاله لأرواح الضحايا.

وأخيراً، هناك إدراك متزايد داخل صفوف القيادة بأن روسيا لا تزال معتمدة أكثر من اللازم في دخلها على النفط والغاز الطبيعي. فالاهتمام العالمي المتزايد بقضية التغير المناخي والانعكاسات المتواصلة للتسرب النفطي في خليج المكسيك، والخوف في الدول المتقدمة من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات جديدة في السنوات المقبلة بسبب تزايد الطلب في الاقتصادات الناشئة ؟

كل ذلك عزز زخم الجهود الرامية للتحرك إلى عالم ما بعد البترول. فالسعوديون والعراقيون لديهم احتياطيات ضخمة سهلة الاستخراج، أما روسيا فجزء كبير من احيتاطياتها المتبقية موجود في مواقع تسودها مناخات شديدة القسوة، وتستلزم عملية استخراجه متطلبات تقنية استثنائية.

كما ان روسيا تعتبر أيضاً أكبر مصدر للغاز الطبيعي ولقد أثار مسؤولون روس فكرة إنشاء كارتل شبيه بالأوبيك لإدارة مستويات إنتاج الغاز وأسعاره. لكن هناك اسباب عديدة ستحول دون تحقيق هذا الهدف.

فالتطورات المهمة الأخيرة في تكنولوجيا الغاز قد تسمح للولايات المتحدة بتنويع مصادر إمداداتها. وعلى المدى الأطول، ستتطلع بلدان مثل قطر وإيران إلى أوروبا وآسيا باعتبارهما السوقين الرئيستين، وستتعاون بشكل أكبر على تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة. وهكذا سيتم تحجيم قوة روسيا في السوق بشكل متزايد.

وباختصار، فإن الواضح بشكل متزايد أن روسيا ستعمد إلى تنويع اقتصادها على نحو يبعده عن الاعتماد المفرط على صادرات الطاقة. وهنا سيكون من المفيد الاستعانة بالاستثمارات الأمريكية خاصة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.

لكن هل يمكننا توقع مزايا ملموسة لتحسن العلاقات الأمريكية الروسية، تتجاوز ذلك الدفء الجديد في التخاطب بين واشنطن وموسكو؟ على الصعيد السياسي، بدأنا بالفعل نلحظ بعض النتائج الملموسة.

فالآن، بعد أن نُحيت قضية إنشاء درع صاروخي أمريكي في أوروبا الشرقية عن عناوين الأخبار، أصبحت روسيا واحدة من دول قليلة جداً تتبنى مواقف داعمة للجهد الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان. كما أن المحادثات الثنائية للحد من التسلح بدأت تزداد زخماً. ولقد تبنت روسيا أيضاً في الآونة الأخيرة خطاً أكثر تشدداً حيال الطموحات الإيرانية النووية.