عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من زيارته الأخيرة لواشنطن، حاملاً معه سلة من العطاءات السياسية وغير السياسية الأميركية الجديدة، والتي أعطته دفقاً مهماً بالنسبة للوضع الداخلي الإسرائيلي ولتحالفه الائتلافي، ولعلاقاته مع المعارضة الإسرائيلية، وخصوصاً مع حزب كاديما.

فبعد حملة انتقادات واسعة تعرض لها نتنياهو وائتلافه الحكومي داخل إسرائيل، من قبل المعارضة وحتى من بعض أحزاب الائتلاف الحكومي، على خلفية ما اعتبره البعض في المعارضة تراجعا لمكانة إسرائيل الدولية، خصوصاً بعد حادثة السفينة مرمرة، عاد نتنياهو من زيارته بارتياح نسبي ملحوظ، وقد حقق تقدما جيداً في اعادة ترتيب علاقات حكومته مع إدارة الرئيس أوباما.

حيث انتهت الزيارة بنتائج ملفتة للانتباه، بعد حديث عن وقوع خلافات وتباينات بينهما خلال الشهور الستة الماضية، وهو حديث بولغ فيه كثيرا من قبل البعض، وخاصة في الحالة العربية.

فقد طغت الحميمية على لقاء نتنياهو مع أوباما، وخرج اجتماعهما المشترك بنتائج متقدمة، بالنسبة لبعض القضايا التي شكلت في الشهور الماضية عناوين استعصاء سياسي بينهما، وتحديداً بالنسبة للجهود التي يبذلها المبعوث الأميركي جورج ميتشل في رعايته ل«مفاوضات التقريب» غير المباشرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

حيث ذهب اوباما في المؤتمر الصحافي المشترك مع نتنياهو، للمطالبة بالانتقال للمفاوضات المباشرة قبل انتهاء فترة «تجميد الاستيطان»، دون أن يشير إلى إطار الحل النهائي الذي سيحكم هذه المفاوضات، وهو ما يدعو إليه نتنياهو ليل نهار.

وزاد اوباما في طمأنة نتنياهو بالإعلان عن تفاهمات مشتركة بالنسبة للموضوع النووي الإسرائيلي هذه المرة، والتي صدرت عبر تصريح علني وضمن بيان خاص صدر عن البيت الأبيض، فشكل خطوة كبيرة في مجال التستر والحماية الأميركية لسالغموض النووي الإسرائيلي»، وللبرنامج النووي لتل أبيب الذي ما زال حتى الآن يتمتع بصفة وميزة «طي الكتمان الشديد»، منذ أن تم العمل على إقامته في خمسينيات القرن الماضي.

وقد برزت فجاجة الموقف الأميركي في التفاهمات الأخيرة، عبر إعلان واشنطن التزامها بإحباط أي مشروع قرار دولي، يلزم إسرائيل بالموافقة على مراقبة دولية على ملفها ومنشآتها النووية في منطقة ديمونا في صحراء النقب، فضلاً عن إقرار توسيع رقعة التعاون الأميركي الإسرائيلي في المجال النووي المدني، ومساعدة إسرائيل على إنتاج طاقة ذرية، رغم رفضها التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي.

بل إن الإدارة الأميركية تعهدت لنتنياهو باتخاذ موقف حازم، إذا عقد مؤتمر دولي لنزع السلاح النووي، وتحييده عن منطقة الشرق الاوسط بإبعاد إسرائيل عن الموضوع، إضافة لإدراج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والصواريخ البالستية بعيدة المدى على جدول أعماله، في إشارة لاستهداف بعض الدول العربية وعلى رأسها سوريا.

وعلى ضوء هذه الحزمة أو السلة من الاغراءات والانجازات التي توج بها نتنياهو زيارته لواشنطن، عاد إلى تل أبيب بنفس جديد وروحية جديدة، حيث كشفت مصادر سياسية موثوقة أنه بات الآن بصدد إعادة ترتيب خريطة تحالفاته الداخلية، في مسعى لإعادة الحوار مع حزب كاديما لضمه لحكومته الائتلافية، في حالة خروج حزب «إسرائيل بيتنا» من الائتلاف.

وهو الحزب الذي بات مزعجاً جداً لنتنياهو وحكومته الائتلافية بسبب سلوك زعيمه وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، إضافة إلى إيلي يشاي رئيس حزب شاس للمتدينين الشرقيين، الذين يعارضون العملية التفاوضية غير المباشرة الجارية مع الطرف الفلسطيني، والرافضين لأي شكل من أشكال الكيانية الفلسطينية.

كما أن نتنياهو بات الآن يأخذ في الاعتبار احتمال إحالة ليبرمان للقضاء الإسرائيلي بتهمة الاحتيال، وهو ما سيدخل حزب «إسرائيل بيتنا» في أزمة ستنعكس على الائتلاف الحكومي. كما يأخذ في الاعتبار احتمال تحقيق تقدم ولو بسيط في المفاوضات، فينسلخ بعض اليمين المتطرف عن ائتلافه كما يهددون، ولذلك فإن نتنياهو يفضل أن يكون جاهزاً لكل احتمال.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، ذهبت مصادر إسرائيلية للقول بأن نتنياهو وافق على شرط حزب «كاديما» أن يكون التحالف بينهما على أنقاض الائتلاف الحالي، أي إلغاء الخطوط العريضة للحكومة الحالية، ووضع خطوط جديدة بين الحزبين الكبيرين، وبعد ذلك فتح الباب أمام أي حزب يريد الانضمام.

وفي هذه الحالة يكون عدد وزراء حزبي الليكود وكاديما متساوياً، ويمكن أن تتنازل تسيبي ليفني زعيمة «كاديما» عن مطلبها الذي نادت به منذ إعلان نتائج انتخابات الكنيست، بتداول منصب رئاسة الحكومة، على أن تكون القائمة بأعمال رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية، وتتولى ملف المفاوضات مع الفلسطينيين.

وتقول مصادر إسرائيلية أخرى، عبرت عن رأيها مباشرة وعبر الصحافة الإسرائيلية، إن نتنياهو أرسل بالفعل فور عودته من واشنطن، كبار مساعديه لإدارة تفاوض جدي حول الموضوع مع ليفني، في محادثات تناولت قضية توزيع المناصب الوزارية واحتمالاتها في الحكومة الائتلافية القادمة.

ومع ذلك، فإن بعض المراقبين يعتقدون بأن نتنياهو بعيد عن وضع يجعله يفكك الائتلاف الحالي ويشكل ائتلافاً بديلاً مكانه، معتبرين أن مساعيه الحالية لضم كاديما ليست سوى محاولة تضليل وتعمية، هدفها التظاهر أمام الأميركيين والمصريين والأوروبيين، بأنه جاد في تغيير الأوضاع السياسية من جهة، وتخدير حزب كاديما كي لا يدير حملة سياسية ضده، في هذا الوقت بالذات، الذي تتحسن فيه العلاقات بينه وبين الرئيس الأميركي باراك أوباما.

فهدف نتنياهو الحقيقي، حسب رأي هذا الاتجاه من المرقبين في الداخل الإسرائيلي، هو تضليل الرأي العام في الداخل والخارج، وشل حركة المعارضة الإسرائيلية.الساحة السياسية الإسرائيلية عودتنا دوماً، على أن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة في الخريطة السياسية الإسرائيلية وتحالفاتها الائتلافية.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy