لقي التقرير الذي نشرته «الغارديان»، حول مراجعة الولايات المتحدة لاستراتيجيتها في أفغانستان والتفاوض مع قادة طالبان من خلال وسطاء آخرين، ترحيبا كبيرا على أساس أنه يعد تغيرا جوهريا في السياسة الأميركية. فعندما تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما في ديسمبر الماضي بإرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، كان القرار مدفوعا بثلاثة أهداف وهي:

تعقب أماكن تواجد عناصر القاعدة، وإضعاف قوة حركة طالبان بحيث لا تتمكن من الإطاحة بالحكومة الأفغانية، إضافة إلى تعزيز قدرات قوات الأمن التابعة للحكومة. وللأسف، لم يتحقق أي من هذه الأهداف، ولا تبدو في الأفق أي علامات على تحقيقها خلال فترة زمنية قريبة. من هنا فقدت تصريحات أوباما وديفيد كاميرون مصداقيتها، فكان لزاما إعادة النظر في الأمور من جديد.

وقد كانت هجمات القوات الأميركية أمرا متوقعا، أملا في خفض حجم قوات طالبان في المناطق الجنوبية من أفغانستان، إلى درجة يتسنى عندها تقليص دور الحركة خلال أية مفاوضات محتملة، مما يسهل بعدها احتواء أية مطالب سياسية تتقدم بها.

وافترضت الولايات المتحدة وحلفاؤها تصنيفات لا أساس لها من المنطق، كي تبني عليها استراتيجية أثبتت فشلها بمرور الوقت. وعلى أساس تلك التصنيفات تم تقسيم عناصر طالبان إلى فريقين، أحدهما قابل التفاوض، والثاني غير قابل للتفاوض.

من جانبه، دعا ريتشارد هولبروك مبعوث السلام الأميركي في أفغانستان، إلى التمييز بين إعادة دمج مسلحي طالبان الأقل خطرا وتحقيق مصالحة معهم، أو التفاوض مع كبار قادة طالبان دون أي دور للولايات المتحدة. إلا أنه يبدو أن أيا من هذه الاقتراحات لم يثبت جدواه على أرض الواقع.

فإذا كان بعض المسلحين في منطقة هلمند قبلوا تسليم أسلحتهم مقابل المال، إلا أن ذلك لم يتحول بعد إلى اتجاه قبلي يتبناه باقي المسلحين. ويؤكد الواقع أن حركة طالبان، عبارة عن شبكة متشعبة ومعقدة وأشد بأسا مما قد يتصوره خصومها. ففي الوقت الذي تواصل القوات البريطانية حربها في أفغانستان، فإننا قد منحنا حركة طالبان فرصة ذهبية للتكاتف ولم الشمل من جديد، بحيث أصبحت الحركة أكثر قوة من قبائل البشتون والجماعات المسلحة الأخرى متعددة العرقيات.

من هنا فإن مسألة إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان يعد ضربا من التناقض، بكل ما تحمله الكلمة. ذلك أن تواجد قوات أجنبية هناك يحرض القبائل على التآزر، ويزيد من قوتها على المقاومة.

والآن يبدو أن الاقتراع داخل البيت الأبيض على استمرار الحرب في أفغانستان لا يزال جاريا، رغم أن الوضع صار أسوأ من ذي قبل، وما زالت القيادة الأميركية تصر على مواصلة العمليات وتأجيل جهود المصالحة، على أساس أن ذلك سوف يمكّن من إجراء التفاوض من مركز قوة.

وفي حال بدء التفاوض، فسوف تتمسك طالبان بمسألة التطمينات حول سلامة جنودها ووقف الغارات على منطقة وزيرستان. وبمجرد توصل الطرفين إلى تسوية سياسية، سوف تظهر بوادر تصدع في العلاقات بين قرضاي ومسلحي الشمال.

فمسألة بدء محادثات مع طالبان تثير تساؤلات عدة، أهمها: هل من صالح الجميع أن يتم التفاوض أم مواصلة القتال؟ وهل سيبقى قرضاي في السلطة حال التوصل إلى اتفاق؟

ولعل مشاركة أطراف من المنطقة في محادثات التسوية مع طالبان، تعد أمرا مجديا من أجل إنهاء حالة العنف، ولكن لا يزال الجميع ينتظر مدى نجاح البيت الأبيض في انتهاج هذه السياسة.

صحيفة «الغارديان» البريطانية