وَضَعنا علامتي تعجب خلف العنوان لنتساءل: وهل صيف دبي يختلف عن صيف شقيقاتها الخليجيات؟ وهل هو أحسن حالاً من صيف بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا؟! إن أردنا جواباً بالنظر بمقاييس الحرارة وأحوال الطقس، فلن نجده يختلف عن ذلك الذي نجده حولها في منطقة الخليج العربي، وبالقطع، فإن صيف بلاد الشام ومصر ودول المغرب العربي أقل وطأة في حرارته، مما تمر به دبي في الأشهر الثلاثة: يونيو ويوليو وأغسطس.

بيد أننا لو قسنا صيف دبي «بترموتر» آخر لألفيناه يبز شقيقاتها، وربما نافس تلك البلدان العربية التي تنعم بأجواء صيفية معتدلة. ولعل هذا «الترموتر» هو السياحة، وأعداد القادمين إليها لقضاء عطلات نهاية الأسبوع أو للمكوث بها فترة أطول. فما أن تنزل مطارها العامر (كما فعلت شخصياً عدة مرات في هذا الصيف وقبله بفترة)، حتى تلحظ آلاف المسافرين وقد جاؤوها من كل حدب وصوب.

فهؤلاء أوروبيو السحنة (إنجليز وألمان وأميركان وأستراليون) وغيرهم من شعوب شرق آسيا البعيدة، وآخرون من القارة الهندية، فضلاً عن الجنسيات العربية، وبالذات من أبناء الخليج العربي. وما أن تطأ رجلاك باحة الفندق، حتى تلفاه ممتلئاً بتلك الجنسيات التي رأيتها مع تكرار للوجوه العربية، بالذات العائلات القادمة من دول الجوار الخليجي.

والحق أن سياحة العطلات، بالذات عطلات الأعياد والمناسبات ونهاية الأسبوع، باتت تأخذ الطابع الخليجي، حيث أصبحت دبي بالنسبة لأبناء المنطقة هي النقطة الأقرب والأكثر جذباً لقضاء بضعة أيام مرحة، خاصة أنها ترضي ذوق الأسر الخليجية التي تجد فيها متعة لجميع أفراد الأسرة: رجالاً ونساءً وأطفالاً.

وأصبحت أعداد هؤلاء في ازدياد مع مرور الزمن، حتى باتت دبي تنافس العواصم العربية العريقة في السياحة، بل تتفوق عليها في جذب هذه الفئة. وهذا يعود إلى البرامج المنوعة التي تقدمها لجميع الأعمار، بالذات للأطفال، وبأسواقها المفتوحة التي تجد فيها المرأة الخليجية ضالتها.

وحسناً فعلت دبي ببرنامجها السياحي الصيفي، والذي من خلاله جذبت وما زالت تجذب أعداداً غفيرة من سياح دول مجلس التعاون، وبالذات من عائلاتها. فالسائح الخليجي، سواء جاء بعائلته أو منفرداً، يختلف في أنماط صرفه وسياحته عن نظيره الأوروبي، على الأقل هذا هو الانطباع الذي خرجت منه بعد تكرار سفري إلى دبي.

فالسائح الأوروبي مقتصد، يأتي ـ في الأغلب الأعم ـ ضمن فوج سياحي بميزانية محددة، في حين أن السائح الخليجي، بالذات هؤلاء الذين يأتون مع عائلاتهم وأطفالهم، لا حدود لصرفهم. فنساؤهم يتبضعن طوال الوقت ويذرعن الأسواق جيئة وذهاباً، وأطفالهم يلهون في صالات الألعاب المختلفة. أما «طلبات الغرف في الفنادق» ٍُُْ َّمًّْيكم ـ التي يتجنبها الأجانب لأسعارها الباهظة ـ فلا يتردد هؤلاء في تناول وجباتها.

وما يبهج النفس أن الكثير من الأسر الخليجية قد وجدت طريقها إلى استخدام مترو دبي، ربما ليس توفيراً، بل رغبة في الكشف والاستمتاع بركوبه، والتنقل بواسطته من سوق إلى آخر.

ولا أضيف جديداً إن قلت إن مترو دبي أضحى معلماً سياحياً، فضلاً عن وظيفته الأساسية كوسيلة مواصلات مريحة واقتصادية وسريعة. وأخذ هذا المترو يحتل مكانته في عالم السياحة في دبي، إذ أصبح الكثير من الفنادق يضعه على مواقعه الالكترونية كأحد خيارات الوصول إليها من مطار دبي، إلى جانب سيارات الأجرة.

والحديث هنا ليس نظرياً، إذ إن كاتب هذه السطور قد دأب منذ افتتاح المترو، على استخدامه في تنقلاته، وعلى وجه الخصوص للوصول إلى أقرب نقطة لفندقه، ثم أخذ سيارة أجرة إن كان الأمر يستدعي ذلك.

ولعل السفرة قبل الأخيرة تستأهل الرواية؛ إذ قمت بالحجز كالعادة عبر الانترنت لأحد المنتجعات الكائنة في «منطقة المارينا»، وفوجئت أن المسافة بين المطار والفندق تزيد على الثلاثين كيلومتراً، وأن تكلفة سيارة الأجرة تربو على 160 درهماً، ولم يشر موقع الفندق إلى استخدام المترو.

فقررت استخدام المترو، لا بخلاً فمن يبتغي الحسناء (وفي هذا المقام فندق ذي خمسة نجوم) لا يغله أجرة تاكسي، لكنني أردت أن أجرب ليس إلا. وفعلاً كانت تجربة مثيرة، إذ كلفني المترو أربعة دراهم ونيف، ثم استقليت سيارة أجرة من «محطة المارينا» بعشرة دراهم.

ولم تحو «مفاجآت صيف دبي» هذه السنة مفاجآت سياحية فحسب، بل أيضاً شملت مفاجأة من العيار الثقيل، تمثلت في افتتاح «مطار آل مكتوم» المخصص للشحن الجوي، وهو مشروع ضخم سيمكن دبي من أن تكون ملتقى عالمياً لتفريغ وشحن البضائع، إلى كل حدب وصوب.

وقد أتى افتتاح هذا المشروع في زمن العسر، وهو ليس المشروع الوحيد الذي ظهر في هذا الوقت العصيب، ليمثل نجاحات لهذه المدينة الناهضة، بل سبقه «مضمار سباق الخيل»، وقبله بالطبع «برج خليفة» الأعلى في العالم.

وقد أسكتت هذه الإنجازات «الأبواق الدعائية» لبعض الصحف الغربية، التي شنت حملة ظالمة على دبي منذ نشوب الأزمة الاقتصادية العالمية، وكأن «ليمان برذرز» شركة تابعة لدبي، أو أن الأزمة انطلقت من «شارع الشيخ زايد» وليس من «الوول ستريت»!!

بدلاً من أن يكون صيفها طارداً، حولت عقلية دبي الخلاقة وحيويتها المعهودة، صيفها إلى موسم لجذب آلاف السياح.

كاتب وأكاديمي كويتي

alyusefi@hotmail.com