على مدى الأعوام الثلاثة عشر التي قضاها حزب المحافظين في السلطة، كان السؤال بشأن موضوع الهجرة إلى بريطانيا هو الشيء الذي يضرب به المثل في الحيرة، كوجود فيل في غرفة.

فحجم الفيل ووجوده شيء يراه الجميع، لكن أياً من الوزراء المحافظين لم يكن يرغب في مناقشة الموضوع. والنتيجة عند تفسيرها بصورة محايدة، هي أن نسبة الهجرة إلى بريطانيا تضاعفت ثلاث مرات منذ العام 1997، عندما كان عدد المهاجرين يقف عند 48 ألفاً.

لكن بريطانيا على اتساعها لم تكن تبدو بصورة متفائلة؛ ففي كل انتخابات عامة، كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن موضوع الهجرة كان من الموضوعات التي يعطيها الناخبون اهتماماً كبيراً.

القلق العام لم يكن مرده في الأساس إلى نوازع العنصرية القديمة البالية أو (فوبيا) كره الأجانب، ولكن إلى شعور بأن ثروات بريطانيا، وبالأخص الصحة والتعليم والإسكان، تتعرض للتبديد المتواصل بسبب التصاعد المفاجئ في الأعداد الكبيرة القادمة من المهاجرين.

هذا النوع من عدم الارتياح، كان يعبر عنه في الغالب أعضاء الأقليات العرقية المستقرة بالفعل في بريطانيا، والذين لم يسعوا لوقف الهجرة إليها كلية، ولكن لتخفيضها إلى مستويات يمكن التحكم فيها والاستفادة منها.

الشعور بالضيق نفسه تم التعبير عنه في أجهزة تابعة للأحزاب البريطانية، كجماعة الهجرة المتوازنة التي أسسها فرانك فيلد ونيكولاس سومز. وكما يشير فيلد، وصل عدد المسجلين في قائمة الانتظار للحصول على مسكن مدعم في انجلترا وحدها، إلى 8,1 مليون شخص، وذلك خلال فترة من الإنفاق الحكومي القياسي التي تلاشت الآن.

وزير الداخلية داميان غرين المسؤول عن حقيبة الهجرة، أعلن بوضوح عزمه على تحسين الأوضاع. وتحدث صراحة عن سياسات «توجه رسالة إلى العالم أجمع، بأن بريطانيا لن تتساهل بعد الآن بشأن الهجرة، وبأن الضغوط متواصلة لتقليل الأعداد التي تصل إليها كل عام لتقف عند خانة عشرات الآلاف، وليس مئات الآلاف».

إن توفر الإرادة السياسية أمر جيد، لكن النجاح سيعتمد على منح غرين الموارد الكافية والتأييد اللازم لتنفيذ خططه. وبينما نحن نتحدث اليوم، فإن منظمة مكافحة الجريمة المنظمة الخطيرة، وجهت إنذاراً بأن شبكات الجريمة تستغل نظام الهجرة القائم على اختيار المهاجرين الجدد بنظام النقاط، الذي تم اعتماده في العام 2008 في ظل الحكومة العمالية.

ويعتمد أسلوب عمل تلك العصابات على تأسيس شركات وهمية ووكالات عمل مزيفة، تسمح لتلك الشركات بكفالة دخول مهاجرين أجانب إلى البلاد. مثل هذه الخدع، ومعها الزواج المزيف وتأشيرات الدراسة المزورة، تظهر كيف أن عدداً من الأفراد الذين لا ضمير لهم، يمكن أن يسخروا النظام بأسره لخدمة مصالحهم الآنية الضيقة.

تجارة تهريب البشر المربحة، والتي يتخللها دائماً استغلال وحشي للأجانب الضعفاء اليائسين المتطلعين للعيش في بريطانيا، تنتعش في ظل غياب تطبيق حازم لقوانين الهجرة.

وعندما رافق صحافي من «ديلي تلغراف» فريق ضباط الهجرة في هجوم الأسبوع الماضي إلى أوكار المتسللين، اتضح أن عناصر الهجرة ممنوعون من ملاحقة أي فرد يغادر المبني الذي يتواجد فيه، بمقتضى قوانين الأمن الشخصي التي تفرضها هيئة أمن الحدود البريطانية.

وبدلاً من ذلك فإن ضباط الهجرة عليهم إبلاغ الشرطة النظامية بوجود المتسللين، رغم أن دوريات الشرطة لا ترافقهم في كل حملاتهم، ولا توجد بالسرعة المطلوبة لتوقيف المخالفين.

التحدي الذي يواجهه الوزير غرين، يتمثل في كيفية صياغة سياسة هجرة تعكس تقاليد بريطانيا ذات القيم العريقة، وتحمي هؤلاء المضطهدين فعلياً، في الوقت الذي تفرض فيه حدوداً واقعية ومستديمة لعدد القادمين الجدد. لن تكون هذه بالتأكيد مهمة سهلة، لكنها لم تكن أكثر إلحاحاً مما هي الآن.

صحيفة «ديلي تليغراف» البريطانية