لدينا قناعة تامة بأن الماضي مقدس وأفضل من كل العصور، وعدا ما يتعلق بالعقيدة الإسلامية وأحكامها الأخرى، لا يوجد أفعل تفضيل للأشخاص والأزمنة، وإلا لكان العالم يعيش مرحلة واحدة مقطوعة الصلة بالتطور، ولأصبحنا نفتقد نعمة الكهرباء وعلوم الصحة ووسائل المواصلات والاتصالات، وكل ما يدخل في حياتنا الراهنة..
المشكلة أن لدينا اعتقاداً بأن الماضي ليس تفسيراً للحاضر من خلال تراكم المعارف التي أوصلت الإنسان إلى الثورة الحديثة في الحاسبات وغيرها، التي اختزلت الزمن وهيأت المعلومة بكل تشعباتها واختصاصها لتصلك وأنت في غرفة تبعد عن مركز المعلومة آلاف، أو مئات آلاف الأميال..
الحاضر لدينا لا يحمل الفضيلة، لأن القدماء كانوا أكثر تمسكاً بتقاليدهم ومعتقداتهم ، بينما العقل يتطور من خلال بيئة ترتكز صلتها وتفاعلها مع العالم الخارجي، ونعتقد أن فارق الزمن الذي خلق المنجز الحضاري الحديث، هو من وصل إلى فك شفرات بُناة الأهرامات ، والأبجديات اللغوية القديمة وحلّل ودرس علوم الكون من الغابات المتحجرة إلى أعماق الأرض والفضاء الخارجي، ورصد الأصوات القادمة من فضاءات خارجية ليفهم هل يشاركه في الأكوان الأخرى أحياء.
لقد ساهمنا في التقدم التاريخي وبناء حضارة تمثل شخصيتنا وتراثنا، ولكنها ليست كل الحضارات التي سبقتها، أو التي لحقتها، وتفوُّقنا في الماضي لا يعني اختزال العالم بنا عندما شكّل الغرب بمعارفه وعلومه المغامرة الحقيقية للسيطرة على الطبيعة ، وفكك لغز المادة بعلوم رياضية وفيزيائية فاقت كل العمر البشري، وحتى في علوم التاريخ والآداب والفنون المختلفة وغيرها، ليس هناك ثابت أمام متحول، وليس من المنطقي أن نذهب للماضي ونقول إننا علّمنا البشرية، ونحن لا نملك اللحاق بمن يعايشوننا، ويبنون خططهم على ربع قرن، أو أكثر بوضع الإحصاءات ورسم الخطط عن الإنسان وبيئته، والعوائق أو وسائل التقدم والتخلف ، حتى قياس كميات الأمطار في أي مكان ودورة الأفلاك، وحركة البحار والزلازل، تدخل في صميم أي عمل يستعد للمستقبل بأدوات متقدمة وحديثة..
العقل المتفتح لا يرى في البحث العلمي حياداً أمام قوانين تصل إلى الحقيقة، ولعل فك الشفرة الجينية وما لحقها من بحوث في السيطرة على عوامل الوراثة ، وابتكار أدوية للأمراض المستعصية واكتشاف الجنين في أسبوعه الرابع أو السادس ، ومعرفة ما إذا كان طبيعياً أم يحمل عاهات أخرى، جنّب تلك الدول المواليد ناقصي التكوين، وفتح باباً لتطوير الكائنات نباتية أو حيوانية، ليصل الإنسان إلى استغلال طاقاته العقلية والمعرفية في صنع أو اكتشاف مبتكرات جديدة تخدم البشرية وتسجل فتحاً في منهجية التطور.
وسط هذا العالم تحاصرنا الأسئلة في البحث عن موقع لنا على خرائط الفكر والبحوث العلمية ، ورفع مستوى التعليم والحريات العامة التي هي الرحم الذي تتوالد فيه قيم العصر، ومع أن الفوارق بين الشعوب نفتها علوم «البيولوجيا» و«الفسيولوجيا» إلا أن العائق الذي أوقف تطور العقل وتقدمه ظل همّاً دائماً بين المواطن وعلاقته بمحيطه في وطننا العربي المتخلف..
