كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين، يشعر بالنشوة بعد انتهاء مؤتمر ميونيخ في العام 1938. وصار يتشدق بأنه أقنع الزعيم الألماني، في ذاك الوقت، أدولف هتلر بالتوقف عن مواصلة زحفه في أوروبا، بعدما اكتسحت ألمانيا معظم تشيكوسلوفاكيا سابقا.

ولدى عودته عرض تشامبرلين بكل افتخار توقيع هتلر على اتفاقية ميونيخ، منتشيا بإعجاب الجماهير وقائلا: «أعتقد أننا حققنا السلام، والآن أنصحكم بالعودة إلى بيوتكم والنوم بهدوء وأمان في أسرتكم».

ولكن بعد الاستماع إلى هراء تشامبرلين الظريف، قال هتلر لجنرالاته بعد ذلك بأسبوع: «أعداؤنا ديدان صغيرة، لقد رأيتهم في ميونيخ»، واندلعت الحرب بعد ذلك بنحو عام.

في بعض الأحيان يفقد الردع قوته أمام العدوان، بسبب كلمات قليلة غير موفقة، أو حتى إشارة بسيطة للغاية.

وفي أوائل العام 1950 ألقى وزير الخارجية الأميركي دين أتشيسون، خطابا شاملا أمام نادي الصحافة الوطني.

وبشكل متعمد أو عفوي، قال إن كوريا الجنوبية خارج نطاق المدى الدفاعي للولايات المتحدة. ورحبت بذلك كوريا الشمالية الشيوعية وبعدها الصين، وبعد ستة أشهر اندلعت الحرب.

وقبل أن يغزو السوفيت أفغانستان في العام 1979، وقبل أن يرسلوا المساعدات للمتمردين الشيوعيين في أميركا الوسطى، قال الرئيس جيمي كارتر إن أميركا فقدت خوفها المبالغ فيه من الشيوعية.

وفي العام 1981 قالت بريطانيا، وكبادرة حسن نية إزاء النزاع المتصاعد بشأن جزر فولكلاندز آنذاك، إنها ستسحب سفينة حربية صغيرة من الجزر. ولكن بالنسبة للقيادة الدكتاتورية في الأرجنتين، بدت هذه المحاولة لترطيب الأجواء الدبلوماسية، نوعا من الاسترضاء.

لقد جعلهم ذلك يقتنعون بأن المملكة المتحدة، لم تعد هي الدولة التي حكمها الأدميرال نيلسون دوق ويلنغتون ولا وينستون تشيرشل. لذلك قامت الأرجنتين بغزو الجزر.

لماذا جازف صدام حسين بحرب مع الكويت بعد حرب أخرى مروعة مع إيران؟ ربما لأنه اعتقد أن الولايات المتحدة لن تمنعه. كان ذلك استنتاجا منطقيا، عندما قالت له السفيرة الأميركية آنذاك أبريل غلاسبي: «ليس لنا دخل بنزاعاتك مع العرب، كخلافاتك مع الكويت، المسألة الكويتية لا تهم أميركا». وبدأ صدام غزوه للكويت بعد أقل من أسبوع.

هذه الأمثلة يمكن توسيع نطاقها والنظر إليها كإنذارات. في الأشهر ال18 الماضية، أطلقت إدارة الرئيس أوباما عددا من التصريحات والإشارات التي لا تبدو ذات مغزى، لكن بعضها مقصود بعناية وله أسبابه، وقد يتم تفسيرها إلى لامبالاة أميركية جديدة بشن عدوان جديد. انظر إلى عدد الاعتذارات التي وجهها أوباما إلى دول تعتبر أن الولايات المتحدة وليس غيرها، تمثل المشكلة.

بالنسبة إلى تركيا، قال أوباما إن بلاده كانت دائما على خطأ، وأبدى الندم على معاملتها للسود والأميركيين الأصليين. وبالنسبة لروسيا أكد الحاجة إلى تصحيح العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين. وتحدث لليابانيين عن البشاعة التي أنهت بها أميركا الحرب العالمية الثانية.

واعتذر الرئيس الأميركي للعالم ككل عن معتقل خليج غوانتانامو، وعن الحرب على الإرهاب، وعن أنشطة المخابرات الأميركية. أما بالنسبة لأميركا اللاتينية فقد عبر عن ندمه إزاء دبلوماسية التحفيز التي كنا نتبعها هناك. وفي ما يتعلق بمجموعة العشرين، أدان سلوك أميركا غير المهذب في السابق.

واعترف أوباما للعالم الإسلامي بانتهاج سياسات خاطئة، وارتكاب أخطاء. وبالنسبة لأوروبا اعتذر عن تردي العلاقات في بعض الأحيان. وقال للأمم المتحدة إنه يشعر بالحرج من سلوك أميركا تجاهها.

وبالإضافة إلى ذلك، طأطأ أوباما رأسه لبعض الحكام، والأباطرة الصينيين. وبطريقة مشابهة نبه أحد مساعديه الصين المنتهكة لحقوق الإنسان، إلى قانون أريزونا الجديد للهجرة الذي يضيق الخناق على المهاجرين في أميركا.

كما قالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، إن واشنطن ستكون محايدة بالنسبة لنزاع جزر الفوكلاند. وأبلغت أميركا إسرائيل أن العلاقات الوثيقة القديمة ستتغير.

والدرس المستفاد من ذلك كله، هو أن الكلمات البسيطة والإيماءات، قد تكون لها دلالات كبيرة في عالم تسوده علاقات دولية مضطربة.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية

opinion@albayan.ae