صفقة تبادل الجواسيس مؤخرا بين روسيا والولايات المتحدة، أعادت إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة من جديد. فالبعض يرى أن السرعة التي تمت بها تسوية فضيحة التجسس المربكة بين الروس والأميركيين من خلال تنظيم تبادل سجناء.
تعد أمرا مألوفا، وتدعم التحليلات بالتزام واشنطن وموسكو مواصلة الانطلاقة الجديدة في علاقاتهما، فيما يعتقد آخرون أن التعجيل بعملية التبادل يكشف أن أي محاولة لانطلاقة جديدة سوف تكون مبنية على استدلالات خاطئة.
وفي الواقع، كشف هذا الموقف عن مدى القلق الذي ينتاب جهاز الاستخبارات الروسي، وأن موسكو لا تزال أسيرة هاجس الحرب الباردة.
وقد ظلت وكالات تنفيذ القانون والأمن في الولايات المتحدة، تلاحق أعضاء خلية التجسس على مدار عشر سنوات، وتراقب هواتفهم وتتبع مكالماتهم. وتمكنت الاستخبارات الأميركية من اختراق كامل للخلية، وتحديد أعضائها والمهام التي يقومون بها.
فقد تم زرع خلية التجسس الروسية داخل الولايات المتحدة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وتغلغل أعضاؤها داخل المجتمع الأميركي في دور محاسبين أو وكلاء سفر أو وسطاء عقاريين أو استشاريين.
وتبين محتويات المكالمات بين أعضاء الخلية، أنهم كانوا يتبادلون أحاديث حول مسائل مدنية، مثل عدم مقدرة بعض الأشخاص على سداد رهانات منازلهم. كما تبين أن اثنين من أعضاء التنظيم أنجبا أطفالا من علاقات غير شرعية، كنوع من التمويه على العلاقة الحقيقية بينهما.
ولم تكن مهمة أعضاء الخلية استخلاص معلومات حساسة، بل على النقيض من ذلك، فقد طلب منهم الابتعاد عن الوظائف ذات الطابع الأمني من قريب أو بعيد. كانت المهام الموكلة إليهم تتمثل في توطيد علاقاتهم بالأشخاص في الأوساط السياسية الأميركية، وتحديد إمكانية إقامة علاقات مع أشخاص سيكون لهم دور في المستقبل، ومجالات التنمية داخل واشنطن.
ولكن يبدو أن سقوط شبكة التجسس هذه، يدلل على فشل أجهزة الاستخبارات الروسية في فهم طبيعة المجتمعات المفتوحة. فمثلا، لا يحتاج المرء سوى إلى شبكة انترنت من النطاق العريض وشهية قوية في الطعام، لكي يستوعب نبض الأحداث اليومية داخل واشنطن. فالمدونات ومصادر الأخبار وقواعد البيانات المنتشرة عبر الانترنت والمتاحة لأي إنسان، سهلت هذه النوعية من المهام.
وقد تم الكشف عن شبكة التجسس هذه، عندما علمت السلطات الأميركية أن أحد أعضائها يعتزم السفر إلى روسيا، مما دفعها إلى اعتقاله خشية عدم عودته مرة أخرى.
وفي بادئ الأمر، أنكرت الحكومة الروسية علاقتها بالمتهمين أو أنهم يمارسون أنشطة تجسسية، إلا أنها عادت واعترفت بأنهم عملاء تابعون للاستخبارات الروسية، وأجرت صفقة مبادلة مع أميركا. وسرعان ما أنجز الطرفان هذه الصفقة، في ما وصف بأنه محاولة لتجاوز الأزمة والانطلاق نحو آفاق جديدة من العلاقة بينهما.
وفي الواقع، فإن القضية برمتها، ليست سوى خيارات متبادلة تخص الطرفين الأميركي والروسي فقط. فمسألة التجسس ما هي إلا حقيقة واقعية يعيشها العالم، ولم يسلم منها حتى الأصدقاء. ولعل هذا دافع قوي، يعزز الاعتقاد بأن الجاسوسية هي ثاني أقدم حرفة عرفها البشر. وجميع الأنظمة في العالم تسعى للوصول إلى معلومات يعتبرها الطرف الآخر سرية.
وتحمل العملية بين طياتها دلالات عدة، أهمها أن الولايات المتحدة تريد أن ترسل إشارات إلى باقي الدول، مفادها أن أميركا ليست ساذجة أو غافلة عما يحاك ضدها، أو أنها تنخدع بعلاقاتها مع الآخرين. فلم يكن قلق الولايات المتحدة من العمليات الإرهابية ساترا يعميها عن التهديدات الأخرى.