أن يسجل رادار واحد وضع في أحد شوارع دبي، ما يقرب من أربعة آلاف مخالفة في ست ساعات، فهذا بلا أدنى شك رقم قياسي عالمي، لم يخطر لموسوعة الأرقام القياسية أن تضعه في الحسبان أبداً.

وأن يقع على شوارع دبي خلال العشرة أعوام السابقة ـ حسب إحصاءات الإدارة العامة لشرطة دبي ـ أكثر من ثلاثين ألف حادث سير، فهذا رقم آخر، حصد الكثير من الأرواح، وأعاق الكثيرين وشتت الكثير من الأسر.

الغريب الذي لا ينقضي منه العجب في مثل هذه الإحصاءات، أنها لا تدل إلا على شيء واحد، وهو أن الكثيرين ممن يستقلون سياراتهم على الطرقات، إنما يعاهدون أنفسهم أن يعيشوا يومياً في سباق مع الموت لهم ولغيرهم، في سعي محموم نحو أوهام الظفر بالوقت والهروب من شبح التأخير.

ولا ريب أن جهود القائمين على ضبط هروب المتهورين في حياتهم، المسرعين نحو الموت، المنغصين لمتعة أنفسهم والآخرين في حياة أجمل، قد بلغت ذروتها، فأصبح الخوف لدى البعض من غرامة الرادار المرتفعة، أشد من خوفهم على أنفسهم من إزهاق أرواحهم وأرواح غيرهم، في سلسلة من التفكير الغريب لا تعرف مبدأها ولا منتهاها.

إلا أن المسألة لا تزال تدور في فلك العصا المرفوعة فوق الرقاب، ولم تصل إلى درجة القناعة الذاتية في صالح النفس والصالح العام، ولم يعد ذلك الوازع ينبثق، إلا عند القليل، من داخل النفوس بدل الخوف من خارجها.

يأسف المرء حقاً لأرواح شبابنا تدوسها عجلات السيارات، ويأسف أكثر لمناهج التربية المتواضعة التي لا تغرس في نفوس الشباب قيمة الحياة، حتى أصبح أغلبهم لا يجد ذاته إلا في أحضان المغامرات الرعناء على الطرقات، التي لا تقدم إلا الموت أو الإعاقة!!

والحديث يطول والجدل أطول، بين جدوى الرادارات وعدم جدواها، ولكن المسلّم به أنها استطاعت إلى حد كبير فرض وعي مروري اضطراري بأمن الطرقات فرضته الغرامات، وإن كانت لم تستأصل جذور المشكلة التي لا بد أن يتصدى لها جميع أطراف المجتمع، عبر التوعية الجادة المكثفة في الإعلام والمدارس ومراكز تجمع الناس، حتى تغدو ثقافة اجتماعية.

فالوعي أولاً وقبل كل شيء، هو مفتاح الحل لمشكلة التعامل مع الطرقات بتهور، ولو أننا زرعنا الشوارع رادارات لما تغيرت الأحوال كثيراً، إلا أن نزرع رادراً يقظاً في عقول السائقين يشعرهم بأهمية حياتهم وحياة الآخرين.

وإذا كان البعض أتقنوا فلسفة التذمر، حتى غدت الرقابة المرورية والمخالفات عندهم لا يقصد منها إلا جباية الأموال بسبب أو من دون سبب، إلا أنهم بلا شك يدركون قبل غيرهم أن لحظة من التهور تسبب من الخسائر أكثر بكثير من خسارة المال، وأنهم إن لم تكن حياتهم عليهم غالية، فحياة الآخرين مهمة لا تستباح لمن هب ودب.

ومعضلة الثقافة المرورية الضحلة عند البعض، تنم عن تقاصر في إدراك القفزة الحضارية التي خطتها البلاد، مع العلم أن كثيراً من الحوادث تتسبب فيها ثقافات واردة تعلمت في بلادها التعامل مع الطريق كحلبة السباق، ما يؤثر في سلامة الناس.

وهذا الأمر يفتح أمامنا ملفاً آخر متصلاً بأمثال هذه الحالات، وهو منح الترخيص من دون إعادة برمجة عقليات السائقين على احترام قوانين السير، فنجاح السائق في الامتحان لا يعني أنه سائق حضاري، بل لا بد من دورات توعية يخضع لها قبل أن يأخذ الإذن بقيادة المركبة، يمتحن من خلالها كما يمتحن على الطرقات ليعلم قيمة الالتزام بقوانين السير، ولا يترك الأمر له ليقدره على هواه.

المسألة بلا شك متعددة الجوانب، وتحتاج إلى تكاتف مختلف الجهود، للوصول إلى مجتمع يحرص على الارتقاء بالمعاني الحضارية، ويحفظ حياة الآخرين كما يحفظ حياته.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

nooraalswidi@yahoo.com