كان من المتوقع أن تقوم المعارضة السودانية بنشاط كثيف ومؤثر عقب ظهور نتائج الانتخابات، خاصة بعد الضجيج الذي أحدثته حول التزوير والانتهاكات، وعدم اعترافها بما ترتب على الانتخابات.
وستكون هذه هي المرة الثالثة التي تعلن فيها المعارضة عدم شرعية النظام، ومع ذلك تتعامل مع الأمر الواقع كمسألة عادية. وهذه حالة شديدة الغرابة في عالم السياسة، لا نجدها إلا في السودان. لأن السؤال الطبيعي هو كيف تتعامل المعارضات مع النظم غير الشرعية؟
كان انقلاب 30 يونيو 1989 فعلاً غير شرعي، وشكلت المعارضة التجمع الوطني الديمقراطي كجبهة مقاومة. ولكن قصّرت المقاومة عن أن تكون في مستوى التحدي. وكان العمل العسكري ـ للأسف ورغم الكلفة البشرية العالية ـ أقرب إلى الاستعراض، أو كما كنا نقول قديماً: حركات الجيش منه إلى الكفاح المسلح.
وقد كان خصماً على نمو وتطور المعارضة الداخلية. فقد بدأ الناس في الداخل ينتظرون الفاتحين والمحررين القادمين من الشرق. ولم يعد من المنطقي أن يخرج الناس في مظاهرات ويتعرضون للضرب والاعتقال، طالما المخلصون قادمون.
ولم تقدم المعارضة أي نقد ذاتي ولا دراسات عن تجربتها في الخارج. عادت وبراءة الاطفال في عينيها، واتجهت مباشرة من المطار إلى المجلس الوطني، دون أن تلتقي بجماهيرها.
وجزء آخر من المعارضة لم يدخل البرلمان، ولكنه تخصص في إغراق جماهيره في معسول الكلام والتشبيهات والتوريات وأفعال جمع المذكر السالم (... ون).
وعادت وهددت المعارضة السودانية بالكثير خلال وبعد الانتخابات، وكانت الجماهير تنتظر الكثير من القضايا أمام المحاكم، إذ وعدت كل الاحزاب تقريباً بألا تترك حقوقها تضيع دون ملاحقة ومطالبة. وهذا أمر سهل، لأن الاحزاب تضم في عضويتها عشرات المحامين والقانونيين.
ولكن حتى الآن ورغم مرور قرابة ثلاثة شهور، لم نسمع بعرض قضية واحدة أمام المحاكم تقدح في صدقية الانتخابات. لا أدري ما هو رد الأحزاب على هذا الموقف: هل كانت تكذب حين تحدثت عن التزوير؟ هل توصلت إلى صفقات مع المؤتمر الوطني؟ هل تلعب بعقول جماهيرها وتراها سريعة النسيان؟
أحد مرشحي الرئاسة، وفي الوقت ذاته قيادي في أحد الحزبين التقليديين الكبيرين، وعد بتسيير مواكب ومظاهرات مليونية للاحتجاج على تزوير الانتخابات. وتحداه القيادي في حزب المؤتمر الوطني، نافع علي نافع، أنه لن يستطع إخراج أي موكب مهما كان حجمه. وبالفعل صدق نافع، رغم اتهام حزبه بالتزوير، وصمت مدعي الحق والحقيقة!
كسرت المعارضة ذلك الصمت المريب قبل أيام فقط، بالمشاركة في المنتدى الدوري الذي يعقده السيد الصادق المهدي بداره في حي الملازمين، تحت عنوان «الصحافة والسياسة». وقد كان في السابق شبه منتظم، ولكن لأن الكلام كمل ـ كما يقولون ـ بعد الانتخابات، توقف اللقاء.
ولكن، لأن الجو هذه الأيام مليء بالقضايا: الاستفتاء، دارفور، عودة المحكمة الجنائية، مياه النيل، غلاء الأسعار، فقد انعقد المنتدى مجدداً يوم 14/7/2010. وخصص هذا المنبر لقضية الوحدة والانفصال، وأعطي عنوان «نحو مستقبل سوداني آمن أو توأمة عادلة».
وقد شارك إلى جانب الصادق المهدي، كل من محمد إبراهيم نقد الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، وياسر عرمان نائب الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان لقطاع الشمال، وكمال عمر الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي.
ولوحظ تغيب مندوب عن الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وهذا متوقع. وحضر عدد من الإعلاميين والمهتمين بالشأن العام.
كان المنتدى مخيباً للآمال، لأسباب عدة؛ أولها وأهمها القفز على مرحلة ما بعد الانتخابات، وإهمال الحديث عن خطط واستراتيجيات المعارضة، بما فيها الوحدة والانفصال.
والخيبة الثانية، تكرار نفس اللغة المنمقة السابقة، الخالية من الأفكار الواضحة، وهي مجرد كلمات مرصوصة ومنتقاة، بالإضافة لاقتراح الآليات الملموسة العملية التي في مقدور المتكلم فعلها أو المشاركة عملياً في فعلها. وقد ابتدر الصادق المهدي النقاش بمقترح يحمل الكثير من لغته المعهودة ومزاجه السياسي، الميال إلى المقترحات والمبادرات.
فقد دعا إلى إقامة توأمة بين الشمال والجنوب تكفل مصالح المواطنين في كليهما، في حال قرر الجنوبيون الانفصال عند إجراء الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب. وإلى إقامة آلية قومية باسم منبر خيار المستقبل الوطني الآمن، وتعمل على الدعوة للوحدة والتبصير بمضار الانفصال، وتقر برنامج مائدة مستديرة قومية بعيدة عن أي تكوين حزبي، ولا توظف لدعم حكومة أو معارضة.
وطالب القوى السياسية بالاتفاق والالتزام بموقف تعديل اتفاقية السلام، بصورة تخاطب مخاوف ومصالح الجنوبيين، واقترح الاتفاق على فترة عام تسمى فترة التحول الآمن، لحسم كافة مطالب السلام العادل الشامل مع إقامة الاستفتاء في موعده.
وختم ـ كالعادة ـ بالإنذارات والعواقب التي تنتظر السودان، فهو يرى أن النذر الحالية ترشح بلادنا لانفصال عدائي، والتهاب في دارفور، وصدام في الشارع السوداني، ومواجهات إقليمية ودولية بسبب تداعيات المحكمة الجنائية الدولية. ولكن الحل في الوعي الوطني والإخلاص للوطن والإرادة السياسية.
من الملاحظ أن السيد الصادق، صكّ مفهوماً أو مصطلحاً ليس متداولاً في العلوم السياسية، وهو مستخدم أكثر بين المدن والبلديات ويتداوله المحافظون ورؤساء البلديات، بقصد توثيق العلاقات وتبادل المساعدات والخدمات بين مدنهم، لذلك استغربت توأمة الدول المستقلة.
فهل كان يقصد الكونفدرالية، ولكن لا يريد المشي في نفس دروب السابقين؟ وساءلت نفسي: هل من المنطقي أن يقبل الجنوب الذي رفض في الاستفتاء، أن يكون شقيقك أو حتى أخاك غير الشقيق، أن يكون توأمك بعد تقرير المصير؟ وهناك سؤال مهم: هل يقصد السيد الصادق بالدولة المدنية تلك التي تفصل الدين عن الدولة أم لها معنى آخر؟
طالب السيد الصادق بسنة إضافية، كما قال السيد نقد الأمين العام للحزب الشيوعي بتعديل اتفاقية نيفاشا بإضافة بند يتعلق بإجراء استفتاء للجنوبيين بعد سنتين من الاستفتاء حول علاقتهم مع الشمال! بالتأكيد هؤلاء الزعماء يتحدثون في الهواء الطلق.
وهنا يأتي السؤال عنوان المقال: هل سمع الزعماء بما يسمى ميزان القوى؟ هل يمتلك الزعماء وسائل الضغط السياسي لكي يحولوا مقترحاتهم إلى وقائع سياسية؟ ما هي آلياتهم لإجبار الشريكين على تعديل الاتفاقية؟ هل يملكون أغلبية في البرلمان لتمرير مثل هذه الاقتراحات؟ هل لديهم القدرة على تحريك الشارع القادر على فرض إرادته؟ المطلوب الآن هو تغيير ميزان القوى، ثم بعد ذلك التحدث لكي يكون للكلام معنى وأثر..
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
