على مدار الأسبوعين الماضيين، انشغلت وسائل الإعلام الغربية بأزمة اعتقال شبكة التجسس الروسية في الولايات المتحدة، والتي أسفرت عن أسرع وأكبر صفقة تبادل جواسيس بين البلدين منذ عهود الحرب الباردة.
الكثير من التساؤلات طرح حول حقيقة دور هؤلاء الجواسيس العشرة في الولايات المتحدة، وعن أسباب قبول موسكو تسليم مواطنيها الذين أدينوا بتهمة التعامل مع المخابرات الأميركية، مقابل عودة عناصر شبكة التجسس الروسية.
اختيار أجهزة الاستخبارات الأميركية توقيتا معينا بالتحديد للكشف عن هذه الشبكة، أثار تساؤلات متعددة، ليس فقط لأن عمليات الاعتقال جاءت عقب زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف للولايات المتحدة، والتي أجرى خلالها مباحثات ناجحة مع نظيره الأميركي باراك أوباما.
وإنما لأن اعتقال الجواسيس الروس جاء قبل بدء مناقشات الكونغرس الأميركي لمعاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، والتي وقعها الرئيسان ميدفيدف وأوباما في إبريل الماضي في العاصمة التشيكية براغ، وذلك بعد مفاوضات استمرت لأكثر من عام وأسفرت عن هذه المعاهدة، إلا أن الأوساط المتشددة في واشنطن عارضت توقيع هذه المعاهدة.
باعتبار أنها تفرض قيودا على تسليح القوات الأميركية، رغم تأكيدات وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أنها لا تحد من تطوير الدفاع المضاد للصواريخ والقدرات النووية الأميركية، ولا تفرض قيودا على قدرات الردع النووي الأميركية.
وانهالت الاتهامات على روسيا من جانب ممثلى الحزب الجمهورى، ومنها اتهام المجمع الصناعي العسكري الروسي بتطوير صواريخ حديثة من طراز «؟؟-24» بعيدة المدى والمعدة لحمل عدة رؤوس نووية، ويرى الجمهوريون أنه لا جدوى من توقيع اتفاقات جديدة مع روسيا لتقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية.
وسط هذا الصراع تم تفجير أزمة شبكة التجسس الروسية، ووجهت اتهامات لعناصرها غير واضحة المعالم، بل إنها لم تتضمن اتهاما صريحا بالتجسس، واقتصرت على ذكر التعامل مع جهات أجنبية، دون ذكر دوافع ونتائج هذا التعامل، واتهامات بالقيام بعمليات غسيل الأموال.
وتبين أن إجمالي ما حصل عليه عناصر هذه المجموعة، لم يتجاوز أكثر من 300 ألف دولار، ما أسقط تهمة غسيل الأموال بسبب عدم توفر الجدية في الاتهام. أما التعامل مع جهات أجنبية، فقد اضطر عناصر المجموعة الروسية للاعتراف به، رغم أنهم مواطنون روس، حتى يتم الإفراج عنهم.
وسارعت موسكو للتضحية بالكثير، بل إنها قبلت مبدأ مبادلة هؤلاء العناصر بآخرين من مواطنيها متهمين بالتجسس لحساب الاستخبارات الغربية، وذلك لإنهاء عملية تصعيد التوتر التي سعت إليها الاستخبارات الأميركية والاتجاهات المتشددة في الأوساط الحاكمة الأميركية، لإفشال سياسات أوباما وجهوده لإنهاء حالة التوتر بين روسيا والولايات المتحدة، والانتقال بالعلاقات إلى مرحلة التعاون المثمر والفعال.
ولا شك أن خطة التبادل أفشلت مخططات الاتجاهات المتشددة الساعية لتصعيد التوتر في العلاقات بين البلدين، لكن سرعة تسوية أزمة شبكة التجسس الروسية، استهدفت أيضا إغلاق ملفات تتعلق بسوء أداء الاستخبارات الروسية.
وملفات أخرى ترتبط بحالة الفساد الحكومي، إذ إن هذه المجموعة من المواطنين الروس ارتبطت أسماؤهم بشخصيات سياسية وأمنية كانت تقوم بأنشطة غير مشروعة، بدءا من استخدام مستندات ووثائق مزورة، وانتهاء بممارسة أنشطة اقتصادية غير واضحة المعالم.
واذا أردنا أن نحاسب أجهزة الاستخبارات الروسية على إخفاقها أو سوء أدائها في تسوية هذه الأزمة، فلنا كامل الحق، ولكننا لا بد أن نلمس بوضوح أن تفجير هذا الملف كان يستوجب منذ البداية تدخلا سياسيا لتسويته.
ولم يكن من الممكن أن تترك الأمر رهن صراعات أجهزة الاستخبارات، نظرا إلى أنه سيؤثر وبشكل مباشر على صلات حيوية بين البلدين، وأي خلل في هذه العلاقات يمكن أن يؤثر بشكل سلبي على استقرار وأمن بعض المناطق في العالم.
ولا يقتصر هذا الموقف على الجانب الروسي، وإنما يبدو واضحا أن البيت الأبيض يرى أيضا أن تفجير هذه القضية يضر بالإنجاز الذي تم على صعيد تطوير التعاون بين البلدين، لذا حرصت واشنطن على الإسراع في إنهاء هذه القضية، وتجاوبت مع التسوية الروسية بإجراء عملية التبادل، لتجنب تأثير تداعيات الأزمة على العلاقات بين البلدين.
كاتب أوكراني
vladi1949@mail.ru