لا تحدث مفارقات في العالم كالتي تحدث في لبنان، حتى مع اعادة تكوين السلطة والمؤسسات فإن بعض الامور تحصل وكأننا ما زلنا ايام الحرب حين كان الاستثناء هو القاعدة.

نحن اليوم في النصف الثاني من شهر تموز ومشروع قانون الموازنة وصل (للتو) الى مجلس النواب، والى ان يبدأ بدراسته ومناقشة ارقامه، وهذا ما يستغرق اكثر من شهرين، نكون قد اقتربنا من المهلة الدستورية لبدء مجلس النواب مناقشة مشروع قانون الموازنة للعام 2011، هذا يعني ان مجلس الوزراء يفترض فيه ان يكون احال الموازنة الى مجلس النواب مطلع الخريف، وهذا يعني ان وزيرة المالية يفترض فيها ان تكون قد احالت الموازنة الى مجلس الوزراء ليبدأ بدراستها.

اذا لنستعرض (الورش) النظرية المجمعة هذه الايام:

في الوقت عينه، وفي آن واحد، الوزراء يرفعون موازنات وزاراتهم الى وزارة المالية لموازنة العام 2011، في الوقت الذي يمثلون فيه امام مجلس النواب للدفاع عن ارقام موازنات وزاراتهم للعام 2010! وزيرة المال تتحضَّر للدفاع عن الموازنة التي وضعتها لهذه السنة فيما هي تتهيأ لوضع موازنة العام 2011!

حين يُصبح هذا التداخل امرا واقعا، لا يعود المواطن يفهم شيئا مما يجري، ولا يعود المسؤول قادرا على ترتيب جهوده بين ما عليه ان ينجزه وبين ما هو متراكم عليه من السنوات الماضية لينجزه ايضا.

ان اكثر ما يدعو الى الاستغراب في هذا التأخير هو ان الموازنات اللبنانية ليست موازنات دول عظمى فيها تصنيع حربي وابحاث تكنولوجية ومراكب الى الفضاء وتمويل حروب، انها موازنة بلد صغير هي في اكثر من سبعين في المئة منها رواتب موظفين وخدمة الدين، اما (الفتات) المتبقي والذي لا يتجاوز العشرة في المئة فهو مخصص للمشاريع التي ليست كلها استثمارية.

اذا كان الامر على ما هو عليه في هذا التوصيف، فما الفارق ان يتم الصرف على قاعدة الموازنة أو القاعدة الاثني عشرية؟

اذا دققنا قليلا فإننا نجد ان الجدل القائم والسجال الدائر ليس كله مرتبطاً بالموازنة بل بالادوار السياسية والاحجام السياسية للأطراف كما انه مرتبط بسعي كل فريق الى افشال خصمه للظهور بمظهر الوحيد القادر على الانجاز.

اذا نظرنا الى الموازنة من هذه الزاوية وانطلاقا من حجمها الحقيقي، فإنه لا يعود من جدوى للغرق في كل هذا السجال القائم، لكن ما نطالب به، ومن اجل ان ينتظم عمل الدولة فإنه من واجب الجميع ان يلتزموا بالمواعيد وبالمهل الدستورية. فمن دون هذا الالتزام تدب الفوضى ولا تعود هناك امكانية لأن يحاسب احدٌ احداً.

لننتظر مناقشة ارقام الموازنة في مجلس النواب ليتأكد الجميع من نظرية (اضاعة الوقت).