اللائم والملوم في قضايانا العربية أدخلانا في مأزق من يدّعي قصور هذه الدول في إهمال مسائل حساسة كافتراق الجنوب السوداني مع شماله، وحرب دارفور، والأمر ذاته ينطبق بترك العراق يواجه مصيره بنفسه واحتمال هيمنة إيران على قراره السياسي والاقتصادي والأمني، وعلى نفس الوتيرة خلاف غزة مع الضفة والذي أضعف الموقف الفلسطيني وسمح بتمدد إسرائيل على الأراضي في القدس وغيرها، إلى جانب ما يبدر من انشقاقات اعتدنا عليها، وغالباً ما تحلّ بالتراضي والعناق بعد القطيعة..
دعونا نفترض أن هناك قصوراً عاماً يحدث وبأسباب مختلفة ، ونعطي الدلائل من خلال الوقائع وسجل التاريخ العربي منذ نصف قرن، فقد اجتمعت قمم ومجالس وزارية ولقاءات ثنائية أو خماسية والنتيجة حاصلها أصفار، كذلك لم ننجح دبلوماسياً عندما تقفز حالات الاحتقان، إما للمقاطعة والانسحاب من أي اجتماع، أو عدم الحضور لأي وضع طارئ يستدعي موقفاً عربياً واحداً..
ثم إننا فشلنا في أكثر من موقعة عسكرية، بل حدثت تحالفات عربية ضد بعضها كواقعة احتلال الكويت، ثم العراق وبالتالي صار اجتناب المشكلات بما فيها الوساطة يرافقها شكوك من طرفيْ العلاقة، ومن الصعب الجزم بأن الدور العربي سينجح إذا كانت الأجواء غير مهيأة، وأكثر واقعة راهنة، الخلاف الفلسطيني الأخير عندما رمت مصر بثقلها لإصلاح العلاقة، وتعرضت، في كل مناسبة للوم وحتى الاتهام، ثم دخلت قطر، وسبقتها المملكة في جمع الأطراف في مكة المكرمة، ولم تجدِ هذه الوساطات، بما فيها وساطة الأمين العام للجامعة العربية ، ولم تؤدِ إلى أي نتيجة مرضية..
والعلّة هي في الخلاف الذي يستحيل حله ، والنماذج كثيرة بدءاً من تشكيل الدولة العربية الحديثة وحتى الآن، فقد رسمنا لأنفسنا خطاً متعرجاً، بل وأحياناً ولأي سبب، يفرق دولتين بل تصبح الوساطة تدخلاً في الشأن الخاص..
الجامعة العربية، والتي أنشئت من أجل توحيد القرارات المصيرية وغيرها، بما فيها توحيد السياسات الاقتصادية والأمنية، قبل شعارات الوحدة والاتحاد، وهما من الآمال الصعبة، عجزت عن أن تلعب دورها لأن كل دولة ترتاب من الأخرى، وحتى عندما اختارت مصر السلام كبديل لويلات الحروب واستنزاف مداخيلها، قوطعت ونقلت الجامعة العربية من القاهرة لتونس تحت بند أن مصر اتخذت هذا القرار بدون الرجوع للدول العربية.
مع أن روايتها قالت إنها أشعرت سورية والأردن كشريكيْ حرب في معظم الواقع، والأمر ينسحب على الحالات الراهنة، بل إنه بعد الهزائم العسكرية وضياع الوزن العربي في العلاقات الدولية، هناك من شكك في عروبة أكثر من بلد وحصرها بالجزيرة العربية، وكأنها تهمة أو سبب للعجز عن مجاراة الدول الناهضة ، ولعل من يطلب دوراً عربياً في المحن الراهنة، فهو كمن يسبح ضد التيار، أو كمن يبحث عن اتجاه من بوصلة عاطلة..
