ما صدر عن المرجع الديني الشيخ علي السيستاني من مواقف وآراء، بخصوص تشكيل الحكومة العراقية والعلاقة بين السنّة والشيعة، كما روى عنه الصحافي جهاد الزين، قد أثار التعليق والمناقشة، من جانب رجال دين أو كتّاب وصحافيين، على ما نُشر في صفحة (القضايا) في جريدة (النهار) البيروتية.

وكان الأستاذ جهاد قد كتب، بعد مقابلته للمرجع المذكور، أنه ليس مع قيام الدولة الدينية في العراق، الأمر الذي جعله يعتبر أن السيستاني يتفق في هذا الموقف مع البابا بندكتس السادس عشر والإمام التركي فتح الله غولن، في تأييد الدولة المدنية، ودعم العلمانية الإيجابية، الأمر الذي استدعى المناقشة حول عدد من القضايا أبرزها موقف رجال الدين من الدولة، والعلاقة بين الطوائف الإسلامية.

بالطبع مثل هذه القضايا ليست جديدة، وإنما هي مسائل مزمنة، ولكن يتجدّد الكلام عليها فترة بعد أخرى، كما هو حال الحوار بين السنّة والشيعة، والبعض من العلماء كان يؤثر استخدام مصطلح (التقريب)، لأن الحوار يكون بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات.

وأياً يكن فمحاولات الحوار أو التقريب التي تجري، منذ عقود، لم تُثمر بل وصلت إلى الباب المسدود، لأن المتحاورين يديرون حواراتهم بعقلية الاستبعاد والإقصاء أو النبذ والعداء.

ذلك أن الواحد منهم يفكّر ويحاور، فيما يسكن عقله ويتحكّم بفكره عالم من العلماء القدامى الذين أسسوا للفرقة ونظروا للتباعد الذي أفضى إلى انشقاق الإسلام إلى فرقتين تتصارعان على المشروعية، يبدو الفرق بينهما أشبه بالفرق بين ديانتين.

مثل هذه العقلية لا تفتح باباً للحوار، بل تغلقه قبل أن يبدأ. والشاهد تقدمه تجارب الحوار الفاشلة بين ممثلي كل طائفة، كما جرت وقائعها، في السنوات الأخيرة، على الشاشات، بين الشيخ يوسف القرضاوي من جهة والشيخ علي التسخيري أو الشيخ هاشمي رفسنجاني من جهة أخرى.

والشاهد الفاضح هو أن كل المؤتمرات واللقاءات بين العلماء الداعين إلى وحدة الكلمة، لم تحُل دون نشوب النزاعات واندلاع الفتن المذهبية بين المسلمين في غير بلد عربي.

صحيح أن هذه الفتن قد ساهمت في تأجيجها المتغيرات السياسية والاستراتيجية على الساحة الإقليمية، بعد قيام الثورة الإيرانية وصعود الأصوليات الدينية على المسرح. ولكنها تتغذى من النصوص التي تشكلّت بموجبها العقول، وتنبع من الإرث الخاص بكل طائفة، حيث كل فريق يتمسك برموزه وكتبه ويجحد رموز الآخر وكُتبه.

مما يعني أن الفتنة نائمة، ولا تحتاج إلا إلى من يوقظها ويشتغل عليها لتحويلها إلى صراع سياسي أو إلى حرب أهلية. بهذا المعنى، فنوازع التعصّب ومواقف التطرّف ليس مصدرها العامة أو الجمهور، بل هي ما صنعه العلماء أو الدعاة والوعّاظ، سيما في هذه الأيام.

لا أنكر أن هناك رجال دين ذوي عقول منفتحة، نيّرة، كسروا القوقعة ومارسوا حرية التفكير في فهم العالم من غير مصادرات لكي يحسنوا الإقامة فيه. ولكن هؤلاء ما زالوا قلّة لا فاعلية لها، قياساً على الأكثرية التي تقود الحشود والقطعان، وهذه تسيّرها العصبيات ولا تلقى صدى في نفوسها سوى الخرافات والغيبيات.

من هنا لا مجال لفتح أبواب الحوار بين الفريقين، إلاّ بعودة نقدية على الذات؛ لا ليتخلى الواحد عن خصوصيته، بل ليكسر نرجسيته أو يتزحزح عن مركزيته أو يخرج من قوقعته، بحيث يعترف بنسبية اجتهاداته وآرائه، مقدمةً للاعتراف بمشروعية المختلف أو الآخر.

وهذا ما ينبغي الاشتغال عليه وتحويله، لفتح مساحات للتواصل، بحيث تجري إعادة النظر بالنصوص والأحكام والأحاديث التي تلغم العلاقات بين الفريقين، لتشكيل قناعات جديدة، تعيد بناء الثقة بين الواحد والآخر، وذلك على غير صعيد ومن غير وجه:

الأول؛ التخلي عن مقولة التسامح الذي هو مجرد هدنة بين فتنتين، لأن التسامح يعني التساهل مع الآخر، ولكن مع الإقرار الضمني بأنه مخطئ أو آثم أو مبتدع أو غير مؤمن أو منقوص الإنسانية.

فالممكن لخرق الجدران العازلة هو مفهوم الاعتراف المتبادل، حيث المختلف والآخر، أكان مسلماً أم غير مسلم، لا يعامل بوصفه مخطئاً أو كافراً، بل بوصفه شريكاً في المواطنة أو الدين أو الإنسانية، أي وجهنا الآخر الذي كناه أو كان يمكن أن نكونه، بحيث ننصت إليه ونتعلم منه ونغتني بالتبادل معه، لكي نتغيّر عما نحن عليه، كما نسهم في الوقت نفسه في تغييره، عبر بناء مساحة مشتركة.

الثاني؛ هو التخلي عن دعوى المماهاة التامة مع الأصل والنص والسلف. فهذه دعوى خادعة، لأن كل فريق أقام علاقته مع خطاب الوحي من خلال تفسيره وتأويلاته.

نعم إن الأصوليين المعاصرين يشبهون الماضين في الاسم والرمز والطقس، ولكن ما أبعدهم عنهم من حيث الطاقة الخلاقة والمبادرة الفذة، إذ الأول كانوا فاتحين، خلاقين، سباقين، قادرين..

فيما أتباعهم اليوم على العكس؛ محافظون، مغلقون، عاجزون.. مما يعني أن الكلام على إسلام أصولي صافٍ صحيح نتماهى معه، هو مجرد تهويم ذاتي أو معتقد نرجسي. فالإسلام متعدد إذ كل فريق عمل على استنساخ الأصل وإعادة إنتاج الإسلام، بما صنع له أو اخترع من الصوَر والنسخ والنماذج، كلٌ بحسب لغته وثقافته وتجاربه وظروفه وموقعه على خريطة الصراع.

من هنا لا مجال لإدارة حوار فعال وناجح بين المسلمين، ما لم يجرِ تفكيك العقلية الاصطفائية الأحادية، التي توهم الواحد بأنه يملك مفاتيح الحقيقة أو يقبض على معنى النص أو يجسّد وحده من دون سواه الهوية الإسلامية. مثل هذه العقلية هي التي تصنع الحروب الأهلية.

وهذا يقتضي قيام علماء مسلمين من الفريقين، بحمل المسؤولية الجسيمة، ممن يملكون جرأة نادرة في مواجهة الذات، بحيث يقدمون على مبادرة فذة وخارقة تحقق نقلة نوعية في ممارسة كل فريق لهويته، بحيث يعترف كل واحد بأنه ليس كل ما جاء في كتبه صحيحا.

ويعمل من ثم على استبعاد النصوص والطقوس والأحاديث التي تعيد إنتاج الكره والعداوة، وعلى إيقاف الدعاة والوعّاظ الذين ينشرون الشعوذة ويزرعون بذور العداوة والبغضاء، فهؤلاء هم جرثومة الفساد التي تفتك بالمجتمعات وتقوّض أسس الدولة والوطن في البلاد العربية.

إن الحوار المثمر يحتاج إلى عقول منفتحة، مرنة، مركبة، تتعامل مع الاجتهادات والآراء والمذاهب، لا بوصفها حقائق يقينية أو نهائية، بل بوصفها وجهات نظر قابلة للمداولة والمناقشة، من أجل ابتكار صيَغ وأُطر وعناوين، أكثر وسعاً وتركيباً، تترجم إلى إمكانات تواصلية ومساحات تبادلية.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb