اكتشفت النملة في رحلة سعيها لدخول نادي سيدات الأعمال، أن الطريق إلى عالم المال والأعمال ليس مفروشا بالورود كما كانت تتصور، ولا هو حتى مفروش بالنيات الحسنة كما هو الطريق إلى جهنم مثلما يقال.

فهذا العالم الذي نراه من الخارج ونتخيله الجنة الموعودة التي نحلم جميعا بدخولها، هو في الواقع غابة تعج بأصحاب المصالح والنفوذ، الذين يتحولون إلى وحوش وحيوانات مفترسة إذا تعرضت مصالحهم للضرر.

أو شعروا بأن هناك من يريد أن يخترق دائرتهم ليتذوق قطعة صغيرة من الكعكة الكبيرة التي يستحوذون عليها وحدهم، ولا يحبون أن يشاركهم فيها أحد، يتقاسمونها بنسب يحددها حجم كل واحد منهم وقوة نفوذه، ومقدار ما يدفع لتسهيل أموره وإبعاد الحالمين بالثروة عن منطقته التي يتصورها إقطاعيته الخاصة التي لا ينازعه فيها منازع.

لم تتصور مثلا أن افتتاح «كافيتريا» صغيرة في منطقة مكتظة بالعمال، مسألة صعبة تحتاج إلى ترتيبات واتفاقات ومعاملات، تتم تحت الطاولة أكثر مما تتم فوقها، لذلك اندهشت كثيرا، بل إنها صُدمت من حجم الفساد الذي استشرى في دوائر مملكة النمل.

التي عُرِف عن أهلها الطيبة والصلاح والخوف من الله قبل البشر ورفض اللقمة الحرام، وتساءلت: أي ريح خبيثة هبت على مملكتنا الجميلة لتحولها إلى غابة يأكل فيها الكبير الصغير، ويتكالب فيها على جمع المال الغني قبل الفقير، ويتصارع فيها على مراكز النفوذ من لا تنقصهم السلطة ولا النقود، يطيح فيها القوي بالضعيف، ولا يعود فيها مكان للشريف؟!

لم تكن نملتنا تحلم، بعد أن صرفت النظر عن العقار والأسهم، بأكثر من أن تبدأ مشروعا صغيرا لا يخرج عن محل خياطة، أو صالون نسائي، أو مطعم صغير، بعد أن أدركت أن المشاريع الكبيرة ليست لها ولا لأمثالها، فالشركات الكبرى لا تمنح وكالاتها إلا لأصحاب النفوذ والسطوة القريبين من مراكز القرار والسلطة.

والبنوك لا تقدم تسهيلاتها إلا لأولئك الذين تسبق أسماءَهم ألقابُ التفخيم والتبجيل التي لا ينالها إلا ذوو الحظ والحظوة، والمشاريع الكبرى لا تذهب إلا لأولئك الذين اختارتهم العناية الإلهية كي تقدّمها لهم على أطباق من ذهب، بل إنها تسعى إليهم قبل أن يسعوا هم إليها.

لذلك صرفت نملتنا النظر عن هذه الأحلام الكبيرة التي راودتها عندما فكرت في ارتياد مجال العمل الحر وظنت أن نادي سيدات الأعمال أصبح قاب قوسين أو أدنى منها، لتكتشف أن الأمر ليس بالبساطة التي تصورتها.

ليس لعدم كفاءتها ومقدرتها، وإنما لأن الأخلاق التي تربت عليها تمنعها من سلوك الطرق الملتوية، ولأن ضميرها لا يسمح لها بخيانة وطنها تحت أي ذريعة، كما كان أولئك الذين خانوا ضمائرهم قبل أوطانهم يبررون الأعمال التي كانوا يقومون بها، ويستحلون الأموال التي كانوا يحصلون عليها.

صدمت النملة عندما اكتشفت أن كل أنواع الحشرات والقوارض والحيوانات الأخرى، تستأثر بنصيب الأسد من تجارة مملكة النمل، بينما لا يحصل النمل إلا على الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

لذلك ازدادت تصميما على كسر هذا الاحتكار ودخول ذلك العالم، شريطة ألا تقدم تنازلات تتعارض مع مبادئها التي لم تتخل عنها يوما، مستذكرةً ما قاله لها البعض بعد خروجها الحزين من الدائرة التي كانت ذات يوم دائرتها.

إذ لامتها نملة معروفٌ عنها التأقلم مع كل العهود والإدارات، على عدم التكيف مع المرحلة ومداهنة المسؤولين الجدد وكسب ودهم، واستحضرت لها الكثير من الأمثال التي تدعو إلى ذلك مما يزخر به تراث الشعوب جميعا، لكن نملتنا أصمّت أذنيها عن كل عبارات اللوم، ولم تشعر بالندم يوما لأنها انتصرت لأخلاقها ومبادئها.

كانت النملة تستفسر في دائرة التنمية الاقتصادية عن إجراءات إصدار رخصة محل خياطة، عندما سألها الموظف المختص عن مدى خبرتها بهذا القطاع، فأجابت بأنها ترتاده للمرة الأولى، مستندة إلى تعاملها مع هذه المحلات ومراقبتها لجموع النمل التي لا تكف عن التردد عليها وصرف أموالها على الملابس والعباءات.

فما كان من الموظف الذي أشفق عليها مما هي مقدمة عليه، إلا أن نصحها بالكف عن المخاطرة، لأن هذا السوق حكر على الجراد الذي يبسط عليه سيطرته، مقترحا عليها أن تقوم بجولة استكشافية للتعرف الى أصحاب هذه المحلات ومناقشة الأمر معهم، بعد أن أمدها بكشف لعدد منها وأصحاب الرخص الصادرة بأسمائهم.

بدأت النملة الاتصال بأصحاب الرخص الذين أمدها الموظف ذو الضمير الحي بأسمائهم التي اكتشفت أنها تعرف بعضها، وكانت المفاجأة التي لم تستطع تصديقها أن أغلب الذين اتصلت بهم لا يعرفون عن هذه المحلات شيئا، بل إن بعضهم لا يعرف حتى أماكنها، فهم ليسوا أكثر من كفلاء يتقاضون مبالغ مقطوعة مقابل كفالتهم لأصحاب هذه المحلات الحقيقيين من فئة الجراد المسيطرة على السوق.

كما اكتشفت أن أغلبهم يتقاضون مبالغ هزيلة لا تذكر، في الوقت الذي تدر فيه هذه المحلات على الجراد دخولا كبيرة تذهب إلى جيوبها، بينما يكتفي الكفلاء الذين يطلق عليهم مصطلح «الشركاء النائمون» بالفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

كان العرض الذي تلقته نملتنا من أكثر من جرادة في السوق، لا يختلف كثيرا عما هو سائد، فقد كان «الشركاء النائمون» أكثر من الهم على القلب، إلى الدرجة التي سألت النملة فيها نفسها: تُرى.. هل نلوم الجراد الذي يسيطر على سوق محلات الخياطة الذي هو ليس إلا نموذجا لغيره من الأسواق، أم نلوم أهل مملكة النمل الذين اكتفوا بالنوم وخلدوا إلى الراحة والدعة ولم يفرضوا أنفسهم على السوق؟

ملاحظة: لاحظت النملة أن صفحات الحوادث في الجرائد التي تحرص على تصفحها كل يوم، تزخر بعشرات القصص التي تتحدث عن هروب الكثير من الحشرات والحيوانات المسيطرة على سوق المملكة.

وتورط الكفلاء في الديون التي يخلفونها وراءهم، الأمر الذي جعلها لا تندم على رفضها أن تلعب دور الشريك النائم، وتستغرب لعدم اتعاظ أهل مملكة النمل وإصرارهم على الوقوع في الأخطاء نفسها، رغم وضوحها وجلاء عواقبها الوخيمة!

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com