تحولت المفاوضات المباشرة التي تلح إسرائيل على إجرائها مع الفلسطينيين إلى هدف، يستدعي تدخل الحليف الأميركي بالمزيد من الضغوط على الجانب الذي لم يكن يوما سببا في توقفها، وتناسى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ان تصرفاته الاستفزازية، وقراراته المتوالية بشأن الاستيطان في القدس والضفة الغربية، واستمرار حصار غزة، هي من وقف وراء الجمود الذي اتسمت به التسوية السياسية في الفترة الأخيرة.

فبعد ان حصل نتانياهو على تأييد الرئيس الأميركي باراك اوباما، في ضرورة الانتقال من المفاوضات غير المباشرة التي يقودها جورج ميتشيل، ولم تسفر عن تقدم ملموس، ها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي ينتقل إلى شرم الشيخ المصرية، لبحث الأمر نفسه، من دون ان يقدم حتى مجرد الوعود بنفض الغبار المتراكم على الملفات العالقة منذ سنوات، أو حتى يظهر أية بوادر لحل القضايا التي جرى بحثها خلال المفاوضات غير المباشرة، مثل الأمن والحدود اللذين تطالب السلطة الفلسطينية بإحراز تقدم بشأنهما.

هي إذاً لعبة تضييع الوقت التي دأب الإسرائيليون في الرهان عليها، والتراقص على أنواع التفاوض من السري إلى غير المباشر، فالعودة إلى المفاوضات المباشرة، من دون أحداث أي تغيير في الأوراق الإسرائيلية التي تتمسك بالحصول على كل شيء، مقابل رفض منح الآخرين أي شيء.

إسرائيل تريد الاستمرار في بناء وتوسيع المستوطنات، وخنق غزة، وضمان أمنها، وعدم رؤية الدولة الفلسطينية النور ولو بعد قرن من الآن، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تحسين صورتها لدى الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، من خلال ذر الرماد في العيون عبر جر الفلسطينيين إلى مفاوضات مباشرة، تعلم ويعلم الجميع انها لن تفضي إلى شيء يمكن ان يحسن حتى حياة الفلسطينيين، خاصة في غزة المحاصرة.

والغريب ان أوباما الذي مر قبل أيام عام على خطابه في جامعة القاهرة الذي أعطى فيه من طرف اللسان حلاوة، خضع للضغوط الإسرائيلية، واللوبي اليهودي، واستقبل نتانياهو بالود والترحاب، مجدداً كافة الوعود التي قطعها أسلافه لضمان أمن إسرائيل، بل وتجنيبها أي مساءلة أمام مؤتمر نزع الأسلحة النووية في عام 2012، رغم حيازتها ترسانة نووية تشكل تهديداً لكل دول الشرق الأوسط.

ووجه أوباما تحذيرا إثر محادثاته مع نتانياهو تضمن تطمينات بشأن سياسة إسرائيل النووية. وقالت الرئاسة الأميركية في بيان عقب تلك المباحثات إن (الرئيس حرص على الإشارة إلى أن المؤتمر يمكن ان يعقد فقط في حال كانت كل الدول واثقة من المشاركة فيه). بل إن الرئيس الأميركي أكد أن (أي محاولة لاستهداف إسرائيل ستجعل آفاق عقد مثل هذا المؤتمر بعيدة الاحتمال).

كما ووافق أوباما أيضاً على العمل مع إسرائيل لمنع أي جهود لاستهدافها في مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي سيعقد في سبتمبر المقبل.

اختار أوباما إذاً السير في الركب الإسرائيلي وعينه على الأصوات اليهودية، سواء للانتخابات التشريعية الجزئية التي ستجرى في نوفمبر المقبل أو حتى الرئاسية المتوقعة بعد عامين، وراح يغازل اليهود الأميركيين الذين قال انهم دعموه في الوصول إلى الكونغرس قبل ان يصبح رئيسا.

وتناسى الرئيس الأميركي الكلمات التي أطلقها في جامعة القاهرة في أوائل يوليو 2009 ودعا فيها إلى (انطلاقة جديدة) في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي (تقوم على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل)، لكن لم نلمس من تلك الانطلاقة الجديدة سوى يد مغلولة خاصة في التعامل مع إسرائيل.

وعلى عكس اللقاء الذي جمع نتانياهو وأوباما في مارس الماضي سعى كلّ منهما إلى وضع خلافات الماضي وراءه، وبالضرورة على حساب قضايانا نحن العرب.