يتجاذب منطقة الخليج العربي مشروعين كبيرين يؤثران بشكل مباشر وغير مباشر في أمن واستقرار المنطقة بأسرها؛ وهما المشروع التنموي الذي تحمل رايته دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، والمشروع الرجعي الذي ترفع رايته بعض الدول وبعض الجهات في المنطقة كالقاعدة وغيرها.
فالمشروع التنموي هو مشروع حضاري بنَاء لحاضر ومستقبل المنطقة، ويهدف إلى توفير الأرضية المناسبة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي في الدول الخليجية، إيماناً منهم بأن التنمية الاقتصادية ستكون قاطرة نحو تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة الخليجية.
والمشروع الثاني هو مشروع هدام ومثير للمخاوف، ويثير حالة عدم الأمن والاستقرار، لأنه يحاول تسيير الأوضاع حسب وجهة نظره المغلقة، ودون اعتبار لمصالح الآخرين. فشتان بين هذا المشروع الذي لا يعترف بالغير وذاك الذي يعترف بالآخر ويحترمه.
هذا التجاذب في المنطقة الخليجية بين هذين المشروعين يخلق معضلة كبيرة لدول الخليج العربية التي تسعى جاهدة نحو الدفع بإنجاز مشروعها التنموي؛ فهذه الدول في موقع حرج للغاية، حيث إن عليها السير نحو تحقيق مشروعها التنموي، إلا أن عليها أن تعمل ألف حساب للمشروع الآخر الذي يمكن أن يتسبب بالكثير من العراقيل ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر، ويؤثر بالتالي في حاضرها ومستقبلها الذي يعتمد على مشروعها التنموي.
الحقيقة الواقعية للأمور تقول إن الأمن هو أساس كل شيء، فلا يمكن للدول أن تتطور من دون وجود أمن، فالأمن هو المحرك الأساسي لقاطرة أي تطور من شأنه أن يحدث في أية منطقة من مناطق العالم، فهذه دول شرق وجنوب شرق آسيا تمكنت من النهوض لأنها عاشت منذ ما بعد الحرب الفيتنامية بحالة من الاستقرار مكنتها من التركيز على تنميتها، وهذه أوروبا، لاسيما الغربية منها، لم تشهد حرباً منذ نهاية حربها العالمية الثانية.
ولعل دول منطقة الخليج العربي صاحبة المشروع التنموي تدرك هذه الحقيقة وتضع نصب عينها ضرورة تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة كشرط أساسي نحو إنجاز مشروعها التنموي. فهي تجتهد في خلق الظروف لكل ما يمكن أن يحقق حالة الاستقرار في المنطقة ويبعد شبح الحروب وعدم الاستقرار عن المنطقة التي مازالت تشهد حالات توتر ناتجة عن حروب في عمقها الإقليمي.
فدبلوماسيتها الهادئة مع إيران وحزمها في التعامل مع القاعدة ودعمها لأمن واستقرار العراق ووقوفها مع اليمن ودعوتها للعقلانية في التعامل الأمريكي مع ملفات المنطقة- إنما هي تعبير واضح عن إدراك دول المنطقة لخطورة المشروع الآخر الذي يمكن أن يلحق الأذى بمشروعها الحضاري، ويلقي المنطقة في متاهات خطيرة، ويعرقل مسيرة سعيها نحو تحقيق التنمية لعقود من الزمن.
المشروع التنموي الحضاري في المنطقة الخليجية هو مشروع قائم على البناء على ما هو موجود، في حين أن المشروع الرجعي في المنطقة الخليجية هو مشروع مدمر لما هو موجود؛ المشروع التنموي الحضاري في المنطقة الخليجية قوامه الإبداع والتسامح وقبول الغير، في حين أن المشروع الرجعي في المنطقة الخليجية قوامه التزمت والتشدد ورفض الآخرين؛ المشروع التنموي الحضاري في المنطقة الخليجية ينظر إلى المستقبل بتفاؤل.
في حين أن المشروع الرجعي في المنطقة الخليجية شعاره التشاؤم حول الحاضر والمستقبل؛ والمشروع الحضاري في المنطقة الخليجية مشروع منفتح يؤمن بفلسفة المكسب للجميع، في حين أن المشروع الآخر مشروع مغلق على نفسه ويقوم على فلسفة أن المكسب الذي يحققه لنفسه يمثل خسارة للآخرين وأن فشله يعتبر مكسب للآخرين.
بين هذين المشروعين تعيش المنطقة الخليجية، ويعيش معها أبناء المنطقة الذين يؤمنون كل الإيمان بأن مستقبلهم مع المشروع التنموي، ويرفضون بالتالي المشروع الرجعي. ولعل نجاح دول المشروع التنموي في تحقيق درجات عالية من التقدم في مختلف المجالات التنموية جعل أصحاب المشروع الرجعي ينتقدون المشروع التنموي ويرفعون لواء المشروع الرجعي الذي قوامه العودة إلى الماضي، وليس البناء للمستقبل.
فأصحاب المشروع الرجعي لا يستطيعون قبول نجاح دول حديثة النشأة تقع في محيطهم الجغرافي في تحقيق درجات متقدمة من النمو يفوق ما تمكنوا هم من تحقيقه خلال سنوات أطول من تاريخهم السياسي تزيد على سنوات الدول الخليجية العربية الناجحة صاحبة المشروع التنموي.
حيث إن نجاح مثل هذه الدول الخليجية يضع خطط أصحاب المشروع الرجعي التنموية موضع الشك والتساؤل من قبل شعوبهم، فهم أصحاب ثروة اقتصادية وقوة بشرية تفوق ما لدى الكثير من الدول الخليجية صاحبة المشروع التنموي، إلا أنهم متراجعون في الكثير من معدلات التنمية البشرية بسبب اعتمادهم على مشروعهم الرجعي بدلاً من الاستثمار في تنمية الإنسان وخلق الثقة وتقوية العلاقة مع دول الجوار.
جامعة الإمارات