للزعامات التاريخية أدوار كبيرة على بلدانهم وغيرها، فغاندي هو الأب الروحي لاستغلال الهند بما عرف بالمقاومة السلمية، لكن من بناها اقتصادياً رئيس الوزراء الحالي «سينج». وماوتسي تونج هو الثائر الشيوعي الذي جمع شتات وطنه من الاستعمار والانحدار، لكنه جلب الفوضى والخسائر الفادحة بالثورة الثقافية، غير أن وريثه «دينج هيساو بنج» هو من أطلق السلعة التي غزت العالم وراكمت الثروات، فكانت المعجزة الصينية الراهنة، فقد أخذت من الغرب ثقافة العلم وتطبيقاته، ومن اليابان جدية العمل والتحدي في فرز هويتها.

أميركا حولت المهاجرين من كل أنحاء العالم إلى طاقة إنتاج وزعاماتها المؤسسين هم من خلقوا وحدتها وديموقراطيتها وبروزها كأقوى قوة في العالم، وتؤثر فيه في ثقافتها وإنتاجها ومنجزاتها الوحيدة التي سيطرت على الشعوب سلماً وحرباً.

النازية والفاشية، بنتا قوتهما العسكرية من خلال تسيير الموارد للسلاح، ولكنها بددت العقل بدعوى التفوق العرقي، وهو ما أسقطته التحالفات العسكرية لتنهدم المدن ويذهب الملايين قتلاً في حرب عبثية انتهت إلى بناء ألمانيا بالالتزام بالديمقراطية كخط وحيد لتتعايش مع العالم، فكان الانفجار التقني والعلمي، والإنتاج الذي يتفوق بجودته وإتقانه معظم سلع العالم، بينما إيطاليا بقيت من الدول الوسطى أوروبياً.

زعامات كثيرة قلبت موازين التاريخ فكان الملك عبدالعزيز هو من خطا بالوحدة وتطبيقها كمعجزة حقيقية في بلد يفتقد مقومات الحياة، ولكنها الإرادة العظيمة التي منحت هذا الوطن العيش والتفوق على كل تواريخه الماضية.

سحر الشخصية أو «الكارزما» لا تبنى بسهولة، وحتى ظهورها بتوقيت معين لتعيد تشكيل وطن أو مرحلة، وتبني تاريخاً جديداً، لا يحدث إلا في ظروف، لا تتلاقى صدفة، بل برؤية بعيدة وخلاّقة، والفارق بين المغامرة والبطولة، أن الأولى لا تحكم بالعقل عكس الثانية التي تزن الأمور بمنظور، إن صح التعبير بالمغامرة العاقلة، وهنا تبرز العبقرية وفق سياق تاريخي منظم.

لقد جاء خلف زعامات كبيرة شخصيات جاءت امتداداً للأولى بالبناء والاستمرارية، بل هناك من عاكس الثورة بإصلاحها وإخراجها من مآزقها، وهو ما حدث في الصين والهند، ودول أخرى عامت في بحر اليسار، وحتى الدول التي تفسر بأنها يمينية نجد أمثال ديجول، وتشرشل، ومانديلا اخترقوا المألوف السياسي والعسكري، إلى بناء عقيدة أخرى في إعادة بناء بلدانهم من محنة الحروب وحالات الانكسار.

الأنبياء وحدهم من ربطوا الوجود كله بالخالق فكانت الرسالات السماوية هي من بقيت رغم المحاولات بهدمها، وهو سر بقائها المقدس كلازمة للإنسان في كل عصور حياته.