لا تزال الولايات المتحدة البلد الأكثر تنوعاً عرقياً، والأكثر استقراراً وحرية وإنتاجية والأقوى عسكرياً في العالم.
نسمع هنا وهناك أحاديث كثيرة تسهب في سرد الأسباب التي تحتم أفول نجم أميركا في المستقبل القريب.
تراكم العجوزات في الميزانية بمعدل قياسي يبلغ حوالي 5 ,1 مليار دولار في السنة، بينما تقوم البلدان الأخرى بخفض إنفاقها بشكل حاد. الدين الوطني الأميركي تجاوز 13 تريليون دولار وسوف يصل إلى 20 تريليونا خلال عقد. والركود الاقتصادي يتجه لدخول عامه الثالث، والبطالة لا تزال تراوح عند حدود 10 %.
قطاعات كبيرة من جماهير البلد تعتقد أن الحرب في أفغانستان قاب قوسين أو أدنى من الخسارة. فهناك أكثر من 80 ألف جندي أميركي ينتشرون إلى جانب 50 ألف جندي من الحلفاء ؟ في مواجهة أقل من 100 ألف متمرد من طالبان.
أكبر تسرب نفطي في تاريخ أميركا متواصل في خليج المكسيك منذ حوالي 80 يوماً، مع وعود ضبابية بوقفه خلال شهر تقريباً.
ما بين 11 و 20 مليون أجنبي غير شرعي يقيمون في الولايات المتحدة. ونحن، على ما يبدو، نعجز حتى عن منع مرور نصف مليون آخر بصورة غير شرعية إلى أميركا كل عام.
سياسياً، استشاط جمهور الناخبين المتقلب غضباً من وول ستريت بسبب انهيار 2008. لكنه الآن أكثر حنقاً على حكومة تهدد بالاستحواذ على المزيد من الشركات الخاصة. في 2006، شجب الناخبون نواب الكونغرس الجمهوريين، لكنهم في نوفمبر 2010، سيصبون على الأرجح نار غضبهم على النواب الديمقراطيين.
جورج بوش غادر البيت الأبيض وشعبيته متدنية. لكن باراك أوباما، الذي بنا حملته الانتخابية على وعود بإصلاح ما أفسدته الإدارة السابقة ووصلت معدلات شعبيته إلى حوالي 70 بالمئة في يوم التنصيب، يعاني الآن من تدني شعبيته إلى أقل من 50 بالمئة خلال 18 شهراً فقط.
لا عجب أن هذه الأنباء عن الاستياء الجماهيري ؟ إلى جانب التنبؤات المتواصلة بصعود نجم الصين القوية، وبزوغ قوى إقليمية ناشئة مثل تركيا والبرازيل والهند ؟ تولد أجواء سلبية قاتمة عن حتمية انحطاط أميركا.
وحتى أوباما، يبدو أنه يتصور، أحياناً، عالماً متعدد الأقطاب لا تعود فيه الولايات المتحدة قوة استثنائية، كما كانت طوال الـ 70 سنة خلت. ووسط هذا الإحساس العارم بالضيق، نشعر بالعجز أمام المشكلات القصيرة الأمد، التي لا نستطيع معالجتها حالياً، دون أن نتمكن أو نتذكر نقاط قوتنا طويلة الأمد وثرواتنا الحالية أو نتعلم العبر من قصص الانتعاش السابقة التي عاشها البلد.
قريباً سنعود إلى معدلات ضريبة الدخل التي اعتمدت في عهد كلينتون وطبقت لآخر مرة في عام 2000، عندما كان لدينا فائض في الميزانية. وإذا قمنا كذلك بخفض الميزانية، أو ضبط الإنفاق الفدرالي بما ينسجم مع معدل التضخم، فسوف يصبح لدى أميركا قريباً فائض في الميزانية كما كانت الحال قبل عقد. وبرغم كل مشكلاتنا، فإن الولايات المتحدة لا تزال أكبر اقتصاد في العالم، وسكانها البالغ عددهم 300 مليون نسمة، ينتجون من البضائع والخدمات أكثر مما ينتج مليار نسمة في الصين أو الهند.
والقوات المسلحة الأميركية هزمت صدام حسين وحركة التمرد التي أعقبته في العراق، بينما قامت بتعزيز سلطة حكومة توافقية وطنية. وبتوفر العزيمة نفسها، فليس هناك ما يمنعها من فعل الشيء نفسه في أفغانستان.
وبالتأكيد فإن أياً من العدوين لا يقارن بألمانيا النازية أو اليابان الإمبريالية، اللتين استطاعت أميركا، عندما كانت أفقر من الآن بكثير، المساعدة بشكل فعال في هزيمتهما، في آن معاً، في غضون أربع سنوات فقط من القتال.
وقبل حوالي 70 سنة من الآن، استطاعت أميركا، التي كانت أقل بكثير تطوراً علمياً وتقنياً مما هي عليه الآن، أن تطور قنبلة ذرية خلال ثلاث سنوات. إذن، فهي قادرة بالتأكيد أن تسدّ بئر النفط المتسرب في خليج المكسيك خلال ثلاثة أشهر.
وإذا اختارت الولايات المتحدة أن تغلق حدودها الجنوبية ؟ عن طريق استكمال بناء السور، وتغريم كل أرباب العمل الذين يشغلون عمالا أجانب غير شرعيين وزيادة الدوريات ؟ فسوف يتوقف تدفق الأجانب غير الشرعيين من الجنوب على الفور تقريباً.
ومن شأن تجمع الأجانب المقيمين غير الشرعيين ان ينكمش من خلال الدمج الاجتماعي والزواج بين الأعراق المختلفة والعودة الطوعية إلى الوطن بينما يواصل الكونغرس المفاوضة والمساومة حول تفاصيل بنود الإصلاح الشامل.
وفي الواقع بالإمكان التغلب على مشكلاتنا التي يقال إنها مستعصية. فالصين والهند الصاعدتان لديهما حريات أقل بكثير ومشكلات بيئية أعظم بكثير من أميركا، فضلا عن الإضرابات السياسية والتفاوت الطبقي الذي يتفشى فيهما.
وأوروبا لا تضاهي أميركا في الإنتاجية، كما أنها تنكمش سكانياً، بينما تنمو أميركا. في الحقبة السوداء خلال عقد الثلاثينات من القرن المنصرم، قيل لنا إن الانضباط الألماني الصارم هو الحل، وخلال ركود السبعينات، قيل لنا إن النموذج الياباني هو الطريق إلى المستقبل. وبعد ذلك تجددت ثقة أميركا بنفسها، وبنظامها الاستثنائي لتبدد كل تلك الترهات.
سوف تبقى الولايات المتحدة البلد الأكثر تنوعا واستقراراً وحرية وإنتاجية والأقوى عسكرياً في العالم. وأزماتها الراهنة هي إلى حد كبير جزءاً من الصنائع السياسية والثقافية للجيل الأكثر ترفاً وثراءً في تاريخ الحضارة الإنسانية- وليست نتيجة لاضطرابات مدنية متأصلة أو ضعف هيكلي أو عجز مفاجئ في الموارد.
وليس من المستبعد أن تنحط أميركا قريباً، وتصبح كبقية الدول الأخرى. لكن كالمستقبل المظلم، إذا حدث بالفعل، سيكون خيارنا الحر، وليس حتمية تاريخية.
أستاذ في جامعة ستانفورد