عندما اعتدت جورجيا على جارتها الصغيرة أوسيتيا الجنوبية في أغسطس عام 2008 وقتلت المئات من النساء والأطفال والمدنيين، وتصدت لها القوات الروسية وأجبرتها على التراجع وطاردت القوات الجورجية داخل أراضيها، رأى البعض في العالم أن روسيا تمادت في استخدام القوة ضد جورجيا.

وقال البعض إن الروس انتهزوا الفرصة لاستعراض قوتهم وإعلان عودتهم كقوة عظمى للساحة الدولية، ولم تعط موسكو اهتماماً لهذا الكلام لأنها كانت تقوم بمهماتها التي التزمت بها أمام المجتمع الدولي وأمام جماعة الدول المستقلة في المنطقة المحيطة بها.

ولم تبق القوات الروسية داخل الأراضي الجورجية سوى لأيام معدودة وانسحبت بناء على طلب من الدول الأوروبية بموجب مبادرة من الرئيس الفرنسي ساركوزي التزمت بها روسيا تماماً، الأمر الذي لقي استحسناً وتقديراً من الأوروبيين الذين دانوا في ما بعد هجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية، وعدلوا تماماً عن فكرة ضم جورجيا لحلف الناتو، الأمر الذي دفع الرئيس الجورجي ساكاشفيلي إلى اتهام الأوروبيين بمحاباة روسيا على حساب جورجيا.

هذا كان الموقف الأوروبي، أما الموقف الأميركي فكان على العكس تماماً وبشكل حاد، وانعكس هذا على التصريحات الحادة الذي أطلقها نائب الرئيس الأميركي (آنذاك) ديك تشيني.

والذي أعلنته موسكو «شخصاً غير مرغوب فيه» وممنوعاً من دخول روسيا طيلة حياته، وأيضاً التصريحات التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس ضد روسيا واتهاماتها لها، ومطالبتها الأوروبيين بتوقيع عقوبات على روسيا ومقاطعتها، وضغطت واشنطن على حلف الناتو ليتخذ قراراً بإيقاف تعاونه ومباحثاته مع روسيا.

وأكثر من ذلك ذهبت رايس لتوقع اتفاق تحالف استراتيجي بين واشنطن وجورجيا قبل مغادرة إدارة بوش الحكم بأيام قليلة، وبالطبع لم يكن لكل ما فعلته رايس وواشنطن أي تأثير على روسيا التي لم تكن بأي حاجة للتعاون مع حلف الناتو، لأن الحلف هو نفسه الذي يحتاج لروسيا في أفغانستان وليس العكس، أما الاتفاق الاستراتيجي الذي وقعته رايس مع تبليسي فكان مصيره سلة المهملات مع بقايا نفايات إدارة بوش.

ذهبت إدارة بوش وجاءت إدارة أوباما التي أبدت الكثير من النيات الحسنة وروح المودة تجاه روسيا، ولكن على ما يبدو أن ميراث ديك تشيني انتقل إلى خلفه جو بايدن نائب أوباما، والذي حصل من موسكو مؤخراً على ما حصل عليه سلفه تشيني، وأصبح هو أيضاً شخصاً غير مرغوب فيه وممنوعاً من دخول روسيا.

وذلك بعد زيارته لجورجيا في يوليو من العام الماضي وتصريحاته المعادية لروسيا هناك، أما وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي تبدي مودة أكثر لروسيا من سابقتها كوندليزا رايس، فعلى ما يبدو أن كلينتون تنوي هي أيضاً تفعيل تركة رايس في جورجيا والجوار السوفييتي السابق لروسيا.

وقد انعكس هذا بوضوح في جولتها الأخيرة في المنطقة، والتي زارت فيها عدة دول منها جورجيا وبولندا، حيث أكدت كلينتون في تبليسي أن واشنطن ستدعم جورجيا في سيادتها على أراضيها، وتقصد بالتحديد أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللتين أعلنتا استقلالهما واعترفت بهما موسكو كدولتين مستقلتين، وتفوقت كلينتون على رايس عندما وصفت علاقة روسيا بأوسيتيا وأبخازيا بالاحتلال الذي ترفضه واشنطن لأنه احتلال لأراضي جورجية.

تصريحات كلينتون رفضتها موسكو واعتبرتها تصرفات غير لائقة ولها تأثيرات سلبية على العلاقات بين موسكو وواشنطن، ورد رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين على هذه التصريحات محذراً جورجيا ونظام الرئيس ساكاشفيلي من البحث عن حلول لأزماتهم لدى واشنطن، وكأن لسان حال بوتين يقول لساكاشفيلي «لن تنفعك واشنطن بشيء».

في ظل هذا المناخ يصبح الحديث عن تحسن العلاقات بين موسكو وواشنطن في ظل إدارة أوباما ضرباً من الأوهام، فنهج الإدارة الأميركية الآن لا يختلف كثيراً عن نهج الإدارة السابقة تجاه روسيا، والاستفزاز الأميركي لموسكو مستمر وقد يتطور في الآونة القادمة.

وواشنطن تعلم جيداً أن نقطة الاستفزاز الكبرى عند روسيا هي الجوار السوفييتي السابق والعبث فيه، وإذا كانت الوزيرة كلينتون قد اختارت لنفسها السير على نهج سابقتها رايس ضد موسكو، فسوف تلقى من موسكو معاملة أخرى تماماً لا تتماشى مع جو الود والتقارب الظاهري بين موسكو وواشنطن، وربما تحظى من موسكو بما حظي به النائبان، السابق ديك تشيني والحالي جو بايدن.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru