المتأمل في بروتوكولات حكماء صهيون، يلاحظ أن الصهاينة اليوم وبعد مرور أكثر من قرن، ما زالوا يطبقون ويتمسكون ببنود وقرارات البرتوكولات بندا بندا. والقارئ المتأمل والمحلل المتعمق لهذه القرارات، يلاحظ أنها تنسحب على قضية محاكمة المفكر الفرنسي روجيه غارودي منذ سنوات، ومضايقة الصحفية المخضرمة هيلين توماس مؤخرا في أميركا وإرغامها على الاعتذار والاستقالة.
وقد يسأل سائل كيف تفاعل الإعلام الفرنسي والدولي مع محاكمة غارودي؟ وهل فتحت القنوات التلفزيونية الفرنسية المجال أمامه لتنوير الرأي العام الفرنسي والعالمي حول أطروحاته وآرائه وما قاله في كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل»؟ وهل أعطت وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية الفرصة لغارودي، مثل ما فعلت مع سلمان رشدي وتسليمة نسرين؟
الجواب بطبيعة الحال؛ لا. فمع الأسف الشديد، أثبتت وسائل الإعلام الفرنسية خضوعها وولاءها للوصاية الصهيونية.
وقد نلاحظ هنا التأثر السلبي للصحف الفرنسية بقانون «فابيوس ـ جيسو» الذي يمنع، كما قلنا في مقال سابق، الكلام أو مناقشة الهولوكوست ومذابح اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، وهو بذلك قانون يعتبر كالسيف المسلط على حرية الرأي وحرية الصحافة.
ففي الوقت الذي احتفلت فيه فرنسا بمئوية «اميل زولا» وكتابه «إني أتهم» تصفككَِّّم، حيث كان مثالا يقتدى به في حرية الفكر والرأي والتعبير، ترضخ الصحف الفرنسية تحت وطأة قانون «فابيوس ـ جيسو»، الذي يناقض القضاء والقانون والدستور الفرنسي.
وللتذكير، فإن اللوبي الصهيوني استطاع أن يمرر هذا القانون بتواطئ لوران فابيوس رئيس الوزراء السابق، والنائب الشيوعي في البرلمان الفرنسي «جيسو». ورغم أن اليهود لا يمثلون سوى 2% فقط من المجتمع الفرنسي، فإنهم يستحوذون على 80% من وسائل الإعلام فيه، وهذا يبين بكل وضوح أن الصهاينة حفظوا بروتوكولات حكماء صهيون عن ظهر قلب، بل وطبقوها في الميدان وأحسنوا تطبيقها.
وما يُقال عن اللوبي الصهيوني في فرنسا وسيطرته على وسائل الإعلام الفرنسية، يمكن قوله وأكثر، عن اللوبي الصهيوني في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى كثيرة.
والاضطهاد الفكري طريقة عمل ووسيلة معروفة عند الصهاينة، استعملت ضد النائب الأمريكي «بول فيندلي»، وضد ممثل الولايات المتحدة الأمريكية السابق لدى منظمة الأمم المتحدة «اندري يونغ» وضد البروفيسور «روبير فوريستون» الذي قدم بحثا أكاديميا جامعيا عن خرافة حرق اليهود في الأفران النازية، ووصفها بأنها أكذوبة صهيونية، فكانت النتيجة أن سُحبت شهادة الدكتوراه منه.
كما سُحبت من الباحث الفرنسي «هنري روكيه» لأنه حاول الكشف عن أكاذيب الصهيونية. وفي المقابل نلاحظ أن فيلم ستيفن سيبلرغ «قائمة شاندلرز»، حظي بالدعم المالي والمعنوي والدعائي الصهيوني، لنشره الأساطير الكاذبة على البشر من مختلف الأجناس والأعمار فوق هذه المعمورة.
فقانون «فابيوس ـ جيسو» الذي فرضه الصهاينة على الفرنسيين، ما هو في حقيقة الأمر إلا وسيلة لاحتواء حرية الفكر والتعبير واضطهاد الحقيقة، وإنه يقف أمام كل باحث وعالم يحاول استقصاء التاريخ وإعادة قراءته وتقييمه والنظر فيه.
وحسب غارودي فإن معظم من هاجموه لم يقرأوا كتابه، وقد حاول شرح وتقديم أفكاره وآرائه مرارا وتكرارا في نفس الصحف التي شنت ضده حملات إعلامية، إلا أن محاولاته باءت بالفشل وحُرم من حق الرد المعترف به في كل أنحاء المعمورة، ورفض جلّ الصحف والمجلات نشر ولو حرف واحد من رد غارودي.
غارودي ليس الا نموذجا واحدا، ليس الأول ولا هو الأخير في سلسلة ضحايا الصهاينة وآلتهم الإعلامية في مختلف أنحاء العالم.
إن كل من يكشف تناقضات الحركة الصهيونية العالمية وأطماعها وجشعها، مهدد بنفس المصير الذي لاقاه غارودي، وما حدث للصحفية المخضرمة هيلين توماس، التي قالت الحقيقة وصرحت بقناعاتها الشخصية التي تعكس واقعا مرا دام لعقود من الزمن، والعالم بأسره يتفرج وقرارات الأمم المتحدة تضرب عرض الحائط.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين نحن العرب والمسلمون من كل هذا؟ أين نحن في الخريطة الإعلامية العالمية؟ ألم نكن أجدر وأولى بالبحث والتنقيب والكشف عن الأساطير الكاذبة لسياسة إسرائيل، من هيلين طوماس وروجيه غارودي وبول فيندلي وغيرهم؟ أين هي وسائل إعلامنا؟
وأين نحن من إنصاف التاريخ العربي والإسلامي؟ أين نحن من إنصاف القدس والشعب الفلسطيني، حيث أصبح الحق باطلا والباطل حقا ونحن نبكي على الأطلال ونرثي أمواتنا ونقول «يسيطر الصهاينة على وسائل الإعلام العالمية» و«يتحكم اللوبي الصهيوني في السياسة الخارجة الأمريكية في الشرق الأوسط»؟!
هل هذه الأقاويل كافية للوقوف أمام بروتوكولات حكماء صهيون، وللوقوف أمام الآلة الإعلامية الصهيونية؟
مع الأسف الشديد المسافة بيننا وبينهم كبيرة وما زال في انتظارنا الكثير والكثير، وحبذا لو كان عربي مسلم في قفص الاتهام في محكمة باريس، مكان العجوز روجيه غارودي، ويا حبذا لو نظم عرب ومسلمو أمريكا وأحرار العالم مسيرة في البيت الأبيض، للتنديد بالاضطهاد الفكري الذي مورس ضد هيلين توماس وأرغمها على الاستقالة.. فإلى متى يدافع عنا الآخرون؟
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة