أظهرت انتخابات المجلس الأعلى للبرلمان في اليابان، ضعف ثقة الناخبين في الحزب الديمقراطي الحاكم بزعامة رئيس الوزراء «ناوتو كان». نتائج الانتخابات تطيح بآمال التحالف الحاكم في الإبقاء على سيطرته على الغرفة العليا في البرلمان، مما سيؤدي إلى انقسام قد يأخذ اليابان إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي.
التطورات الأخيرة في المشهد الداخلي الياباني، تفرض على جميع الأحزاب السياسية تنحية الخلافات جانبا، والتمسك بأولوية إيجاد حلول للتحديات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.
ويبدو أن التأييد الكبير الذي حصلت عليه حكومة يسار الوسط منذ تشكيلها بزعامة «كان»، جعلته يعتقد أن الفوز في الانتخابات أمر سهل المنال. إلا أنه سرعان ما سقط في فخ فقدان ثقة اليابانيين بهذه الحكومة، التي يبدو أنها لم تقدم خطط إصلاح مقنعة.
الوعود التي أطلقها «كان» خلال الدعاية الانتخابية، كانت تتركز حول الدعوة لزيادة ضريبة الاستهلاك، وهو الأمر نفسه الذي دعا إليه الحزب الليبرالي الديمقراطي كوسيلة فعالة لتخفيض العجز الهائل في الموازنة.
يذكر أن الديون السيادية في اليابان بلغت 862 تريليون ين، أو ما يعادل 180% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وهي نسبة تتجاوز ديون اليونان التي تتراوح بين 130% و140% من ناتجها المحلي.
خطة الإصلاح التي قدمها رئيس الوزراء الياباني بشأن ضريبة الاستهلاك، تنطوي على مشكلات استراتيجية، إذ إنه لم يكن هناك تمهيد معنوي لليابانيين بشأن الخطة الجديدة، وهو ما أشار إليه سلفه رئيس الوزراء السابق يوكيو هاتوياما الذي توقع عدم إمكانية حصول برنامج الإصلاح على موافقة أعضاء المجلس الأدنى في البرلمان، في فترة ولايته الحالية. والمشكلة الثانية أن «كان»، أثار شعورا لدى اليابانيين بأنه سوف يتم تطبيق النظام الجديد في أقرب فرصة.
ثالثا والأهم، هو أن «كان» أعطى الناخبين انطباعا بأنه لم يدرس خطة الضريبة بعناية فائقة. ففي الوقت الذي دعا الحزب الديمقراطي رئيس الوزراء لتشكيل لجنة استشارية عليا لمناقشة برامج الإصلاحات الضريبية، استهل «كان» كلامه بالحديث عن رغبته في استخدام مقترحات الحزب الليبرالي الديمقراطي بزيادة ضريبة الاستهلاك بنسبة تتراوح بين 5 ـ 10 كمرجعية.
هذا الإعلان من جانبه أعطى انطباعا لدى الناخبين بأنه ليست لديه رؤية واضحة في هذا الخصوص، وأنه يستمد أفكاره من الآخرين، حتى ولو كانت المعارضة، مما أفقده مصداقيته كزعيم سياسي يمكن الاعتماد عليه.
التخبط الذي أصيب به «كان» بلغ مدى أبعد من ذلك، حينما أدرك أن خطة الإصلاح الضريبي لم تلق شعبية لدى الرأي العام في اليابان، فبادر بعرض سلسلة من الإجراءات بهدف تخفيف الأعباء الضريبية على طبقة محدودي الدخل، من خلال ردّ قيمة ضريبة الاستهلاك التي دفعوها. لكن هذا العرض الجديد لم يقنع الناخب الياباني الذي بات أقل ثقة في الحكومة وفي إجراءاتها.
وفي أول تصريحات بعد إعلان نتائج الانتخابات، اعتبر «كان» أن هزيمة حزبه جاءت نتيجة سوء تفسير لسياسته. ولكن على ما يبدو، فإن الثقة المفرطة بالنفس من جانب «كان»، هي المسؤولة في المقام الأول عن تناوله مسألة ضريبة الاستهلاك باستخفاف.
ولعل أبرز ما تمخضت عنه الانتخابات الأخيرة في اليابان، هو ظهور فئة جديدة من الناخبين المؤيدين لبرنامج الحزب الناشئ «حزبك»، والذي يدعو إلى تشكيل حكومة مصغرة، وتقليص حجم الإجراءات البيروقراطية في الدوائر الحكومية.
«حزبك» نجح مؤخرا في زيادة عدد أعضائه داخل المجلس الأعلى في البرلمان، من عضو واحد إلى 11 عضوا، ما يعني أنه سيكون لاعبا مؤثرا في المسرح السياسي الياباني.