حصلت إسبانيا على كأس العالم لأول مرة بجدارة، بعد فوزها على هولندا بهدف دون مقابل. وبين البلدين تاريخ طويل، يحسن أن نقف على بعض محطاته. فالقلة من أبناء لغة الضاد يعرفون أن إسبانيا كانت تسيطر على تلك الأراضي التي تسمى هذه الأيام ب«مملكة هولندا».
والتي استقلت عنها عملياً نحو العام 1609، لتنطلق هذه الأمة الناشئة الصغيرة (مليونا نسمة آنئذ) ولتكون إمبراطورية مترامية الأطراف، بفعل قوتها البحرية وتفوقها التقني في القرن السابع عشر، ولتنشئ شركتيها «الهند الشرقية» و«الهند الغربية» كذراعين لتجارتها العريضة.
والعجيب أن البلدين يشتركان في أنهما تحولا من «النظام الجمهوري» إلى «النظام الملكي»، فقد وجد الهولنديون الثقة بالنفس لكي ينشئوا بعد مدة من استقلالهم (1639) جمهورية ظلت قائمة، وإن لم تخلُ من صراع بين أتباعها وبين أتباع النظام الملكي.
إلى أن استعيدت الملكية بواسطة «الشرعية الدولية»، التي تمثلت في مؤتمر فيينا في العام 1814، والذي انعقد بعد اندحار قوات نابليون.
أما إسبانيا فقد عادت إلى الملكية الدستورية في العام 1978 بإرادة شعبها، بعد أن انقضت حقبة حكم فرانكو التي استمرت منذ ثلاثينات القرن العشرين، وما دار فيها من حرب أهلية.
كان من المفترض أن تكون إسبانيا مهد الرأسمالية، ذلك أنها بعد أن طردت المسلمين من «الأندلس» في العام 1492، بدأت برحلاتها الاستكشافية التي ستغير وجه التاريخ، حيث انطلق منها كولومبوس ليكتشف العالم الجديد، وليفتح ذلك فصلاً من فصول الاستعمار والاستحواذ على أراض شاسعة، وجلب خيراتها إلى إسبانيا والبرتغال أولاً.
ثم هولندا وبريطانيا وفرنسا لاحقاً. غير أن «العقلية» الإسبانية كانت أبعد ما تكون آنئذ عن استثمار تلك الفوائض المالية والفرص التاريخية، لصالح ازدهار اقتصادي قائم على الاستفادة من تلك الثروة الضخمة المجلوبة من وراء البحار.
لم يستطع الإسبان التخلص من روحية القرون الوسطى الإقطاعية القائمة على الغزو والحرب، فقد انشغلوا بالحرب وشنوها في كل حدب وصوب.
يقول المؤرخ وليم وودرف في كتاب صدرت طبعة حديثة منه، بعنوان «موجز تاريخ العالم الحديث» (باللغة الإنجليزية) انه بين 1500 و1659 تدخل الإسبان في جميع خلافات الأسر الحاكمة في أوروبا، وفي تلك الحروب الناشبة بين دولها، فضلاً عن الحروب الدينية التي أعقبت ظهور المذهب البروتستانتي في العام 1517.
حاربوا الفرنسيين لمدة خمسين سنة، والهولنديين لمدة ثمانين سنة، وكانوا دائماً في حرب مع الدولة العثمانية، أما السلام مع إنجلترا فكان يتجرعه الإسبان كالسم!
ليس هذا فحسب، بل كانت ثروة المستعمرات مبعثاً على الاستهلاك الترفي والتبذير، مما أوقع البلاد في أزمات مالية، حيث عانت إسبانيا من خمس حالات إفلاس بين أعوام 1557 و1627!
وهي أيضاً بعد استرجاعها ل«الأندلس» من المسلمين، لم تبق أحداً من هؤلاء على أراضيها، فضلاً عن اليهود الذين احتضنتهم هولندا ووجدوا فيها ملاذاً آمناً، وكان هؤلاء اليهود من الحرفيين الذين استفادت منهم هولندا في نهضتها.
هكذا فوتت إسبانيا على نفسها «فرصة تاريخية» للتحول إلى قوة اقتصادية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولتتحول إلى دولة «متواضعة» بالمقاييس الأوروبية، إلى أواخر القرن العشرين.
أما الهولنديون، الذين انتشرت البروتستانتية بينهم، والذين اكتووا بنيران الحروب الدينية في القرن السادس عشر، فقد انطلقوا في القرن الذي يليه مستخدمين مهارتهم في صنع السفن وارتياد البحار، وفي ابتداعهم لصنوف النشاطات المالية، فأوجدوا سوقاً للأوراق المالية، وأسسوا شركات التأمين وغيرها، حتى غدت امستردام مدينة «المال والأعمال» في أوروبا في ذلك القرن.
هكذا أضحت هولندا موئلاً لنظام اقتصادي جديد، يعتمد على التملك الفردي وحرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال. وفي ذلك اختلف علماء الاجتماع والسياسة، فهل كانت «البروتستانتية» كمذهب ديني جديد، التوجه الذي خدم الطبقة البورجوازية الصاعدة، كما تذهب التفسيرات الماركسية.
أم أن هذا المذهب بما حمله من عقائد، ساهم بشكل لا واعٍ وغير مقصود، في ظهور سلوكيات اقتصادية كانت سبباً في ظهور الرأسمالية، كما يقول عالم الاجتماع ماكس فيبر؟
على العموم، اقترن تطور هولندا بشيوع التسامح الديني بين أرجائها، حتى غدت أراضيها ملاذاً للمفكرين الأحرار وأصحاب الملل والنحل من كل لون.
ومن فرط الحريات التي كان يتمتع بها الأفراد هناك، خاف بعض أهلها على أنفسهم وأبنائهم من الوقوع في الزلل والإثم، فهجروها إلى العالم الجديد ليؤسسوا جنوب منهاتن، امستردام أخرى تحيط بها حوائط عالية سميت فيما بعد «وول ستريت»، أشهر شوارع نيويورك حالياً!
مباراة إسبانيا وهولندا في نهائيات 2010، قد أخذتنا بعيداً في تاريخ شعبين التقيا في بقعة اعتبرها ماجلان قبل خمسة قرون «رأس الرجاء الصالح»، حيث كان ذلك الاكتشاف فاتحة لعصر جديد.
والمأمول أن يكون مونديال 2010 فاتحة عصر جديد لإفريقيا، حيث أثبتت جمهورية جنوب إفريقيا، ومن ورائها القارة الإفريقية، أنها قادرة على تنظيم نشاط عالمي ينتظره عشاق كرة القدم في مشارق المعمورة ومغاربها، كل أربعة أعوام.
كاتب وأكاديمي كويتي
alyusefi@hotmail.com
