انتقلت عدوى الاهتمام المبكر بشهر رمضان الكريم هذا العام، من عالمنا العربي إلى الغرب أيضا، وإن لم يكن بالوتيرة والحدة نفسها.

فعبر القنوات الفضائية العربية، لوحظ وجود اهتمام مبكر جدا بالشهر المبارك، عبر الإعلانات المكثفة عن المسلسلات الرمضانية، وهو أمر كشف عن وجود حرب غير معلنة بين الدول العربية والشركات المنتجة على من يتسيد الدراما، ومن يقبض على تلابيب المشاهد العربي ويخضعه له.

علينا ألا ننسى هنا أن إسرائيل أطلقت في الأيام الماضية قمرا صناعيا جديدا، من أجل التجسس على إيران، كما أنها أنتجت طائرة عسكرية بلا طيار.

وفي ضوء هذا الاهتمام الغربي بالإسلام والشعائر المرتبطة به، تناول البروفيسور الأميركي فالي نصر، في العدد الأخير من دورية «الفورين بوليسي»، شهر رمضان من وجهة نظر واسعة، يكشف عنها عنوان مقالته «رمضان: الجغرافيا السياسية لأكبر عيد ديني عالمي بعد الكريسماس».

والرجل متخصص في السياسة الدولية في جامعة تافتس الأميركية، وله كتاب يتناول أهمية صعود الطبقة الوسطى المسلمة في مواجهة الإرهاب.

يحدد نصر خمسة عناصر أساسية، ترتبط برمضان والتحولات المختلفة المحيطة به. فرمضان، يرتبط بحركة تجارية ضخمة في العالم الإسلامي. وبينما تتراجع وتيرة العمل أثناء الصيام، وبشكل خاص في المؤسسات الحكومية، فإن الأسواق التجارية تعج بروادها في تركيا، كما تزداد حركة بيع السيارات الفخمة في الرياض، وتقوم محلات الأطعمة بعرض وجبات ليلية خاصة بالشهر الكريم.

بل إن بعض الشعوب العربية، مثل مصر، تتضاعف نسبة استهلاكها للطعام عنها في الأيام العادية، وهي مسألة يمكن تعميمها على الدول العربية والإسلامية دون استثناء.

كما تزداد المنتجات التليفزيونية، وما يرتبط بها من ارتفاع العائدات الإعلانية بدرجة كبيرة. ولا يقتصر الأمر على العالم الإسلامي فقط؛ فمبيعات أستراليا من اللحوم ترتفع إلى ما نسبته 77% مع قدوم الشهر الكريم.

ويرى الكاتب أنه حتى سبعينيات القرن الماضي، كان الالتزام برمضان يمثل توجها فرديا في الأساس، ومع التدفقات المالية الهائلة التي حدثت في المنطقة بعد حرب 1973، وتصاعد المد الديني المحافظ، فقد اتخذ بعض الدول إجراءات عقابية ضد من يخالفون السلوكيات الدينية المقررة في الشهر الكريم.

فلم يعد رمضان حدثا دينيا يختص بكل دولة على حدة، بقدر ما تأثر بالجوانب الدينية المحافظة، التي انتقلت من قلب العالم العربي إلى العديد من الدول الإسلامية الأخرى، وبشكل خاص في ضوء تماهي العمالة الوافدة المسلمة مع ثقافات بعض الدول في المنطقة.

فقد انتشر الخطاب الديني المحافظ في العديد من الدول الإسلامية الأخرى، وصبغها بصبغة محافظة انعكست على محاسبة المخالفين في رمضان في بعض الدول، وهو أمر شهد عليه العديد من القضايا والوقائع في بعض الدول العربية والإسلامية.

وعلى الرغم من أن الشهر الكريم هو شهر السلام، فإن الكاتب يرى من ناحية أخرى ارتباط الشهر الكريم بالعديد من الحروب، عبر التاريخ الإسلامي والعربي. فمعركة بدر حدثت في رمضان عام 624م، وحرب أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، حدثت أيضا في رمضان.

بل إن الكاتب يرى ازدياد العمليات العسكرية الموجهة ضد القوات الأميركية في العراق عام 2007، في شهر رمضان الكريم.

لم يعد رمضان شأنا محليا إسلاميا أو عربيا فقط، بل أصبح شأنا كونيا أيضا، سواء من خلال اتساع العمليات التجارية المرتبطة به، أو من خلال ارتفاع وتيرة الاستهلاك المرتبطة بالمسلمين حول العالم.

ولا يقتصر البعد الكوني لرمضان على المسلمين المرتبطين ببلدانهم، وإنما يتعداه إلى ما يقارب 45 مليون مسلم يعيشون في الغرب، ويحاولون أن يلتزموا بتعاليم الإسلام، بما في ذلك صيام الشهر الكريم. وهو أمر فتح باب الفتوى واسعا من أجل تحديد مواقيت الصيام والإفطار، وبشكل خاص في الدول ذات النهار الطويل.

ويلفت الكاتب النظر إلى أن العديد من الحكام في العالم العربي والإسلامي، غالبا ما يستخدمون الشهر الكريم من أجل الترويج لبعض الأعمال، وعلى رأسها الإفراج عن السجناء.

ورغم الأهمية الدينية لرمضان، فإنه لم يصبح شهرا يقتصر في تأثيراته على العالمين العربي والإسلامي، لكنه تجاوز ذلك إلى المنظومة الكونية ككل، من خلال التعاملات التجارية والاستهلاكية، وأيضا تكييف الصيام وفقا لجغرافيا المغتربين.

ففي ظل التحولات الكونية الهائلة الحادثة الآن، أصبح التلاقي بين الديني والتجاري مسألة محتومة الحدوث، وهو أمر نشاهده في احتفالات الكريسماس حول العالم، التي يغلب عليها الطابع التجاري بدرجة كبيرة. فهل يقبل المسلمون أن يفقدوا الشهر الكريم في زحمة الدراما والاستهلاك الهائل؟ هذا ما سوف تشهد عليه الأيام القادمة!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com