هناك إجماع عام على أن الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف شمال الأطلسي، لن ينجحوا في تحقيق هدفهم بتكوين حكومة دستورية مستقرة في أفغانستان، تكون خالية من بقايا عناصر طالبان الذين يمكن أن يسهلوا عمليات الإرهاب خارج حدودهم، ويحاولوا إعادة تنصيب حكومتهم التي تنتمي للعصور الوسطى.
علينا أن نهدأ ونأخذ نفسا عميقا. إليكم اعتبارات عدة ترجح أننا نخسر أفغانستان بالكامل:
الجنرال بترايوس؛ بكل المعايير هو شخصية فذة. انظروا إلى استعداده للاستقالة من القيادة المركزية للقوات الأميركية (سينتكوم)، بعد تحقيقه شهرة عالمية، ليقحم نفسه في لهيب الوضع في أفغانستان، في وقت أجهده العمل وعانى من مشاكل صحية، بينما لا يتوقع أن يزيده ذهابه إلى أفغانستان شهرة، بل على النقيض من ذلك ربما يقلص هذه الشهرة. وكل ذلك يأتي في وقت لا يبدو أن هناك أحدا يضاهيه.
فعلى سبيل المثال، الجنرال تومي فرانكس في العام 2003، تصرف على العكس تماما من بترايوس؛ فقد تقاعد بشكل مفاجئ بعد أن زها بأضواء النصر الذي لم يدم سوى ثلاثة أسابيع. ورغم أنه رأى بدايات التمرد، فإنه ربما أراد أن يستفيد من الشهرة المؤقتة التي حققها. وتستحق نجاحات بترايوس السابقة ورصيده المعنوي الكثير من التقدير، في أميركا وخارجها، وهي تضفي بعدا جديدا على الصراع.
فبترايوس حقق النجاح في العراق، دون أن يتعرض لذلك النوع من الانتقادات لقواعد الاشتباك، التي وجهت للأساليب المستخدمة حاليا في أفغانستان.
ومرة أخرى، فإنه عندما يختار رمز وطني الانخراط بمحض إرادته في ميدان المعركة، فإن هذا شيء لا يقل بأي حال عن وصفه بالبطولة، خاصة وأن الحكمة تقول إن الذهاب لأفغانستان أمر مستبعد. وهذا أيضا سيساعد لفترة في حشد الدعم العسكري والشعبي للحرب في أفغانستان.
المهمة؛ الرئيس الأميركي باراك أوباما يحتاج إلى تذكير أميركا بالمهمة. نحن نسعى لإيجاد نظام دستوري مستقر في أفغانستان، يمنع المتشددين من جعل بلادهم ملجأ للإرهاب الدولي؛ هذا هو هدفنا الأساسي. القضاء على تجارة الأفيون وتأسيس مجتمع لا يذبح أبناءه، علاوة على دعم باكستان لمكافحة الإرهاب.
كل هذه أمور مهمة وتدعم هدفنا، ولكنها في الحقيقة ليست الأسباب الرئيسية لحربنا في أفغانستان. ولعقد من الزمان تقريبا، نظر اليساريون ببساطة إلى أفغانستان على أنها ليست كالعراق واكتفوا بذلك، دون أن يخبرونا لماذا في الحقيقة أرادوا خوض «الحرب النبيلة»؟ الآن يجب أن يفعلوا ذلك، دون إقحام اسم جورج بوش في مسألة العراق. نحن نحتاج إلى أن نسمع من أوباما، ماذا تعني لنا أفغانستان، وليس أي شيء آخر.
الخسائر؛ لقد تكبدنا خسائر فادحة، ولكن يجب النظر إليها من خلال منظور صراعات أخرى كانت أكثر صعوبة وتدميرا. على مدى العام 2007 خسرنا عددا من الجنود في أفغانستان، مثل الذي خسرناه في العراق. وفي العام 2004، أي بعد ثلاث سنوات على بدء الحرب في أفغانستان، خسرت أميركا هناك 52 جنديا، بينما خسرت في العراق 822 جنديا في العام 2006، بعد مرور ثلاث سنوات على الحرب فيه؛ أي أن الخسائر في العراق أكبر 15 مرة منها في أفغانستان.
وعدد القتلى الأميركان في نحو تسع سنوات من الحرب، بلغ 1130 جنديا، وهذا يضاهي نحو 2% فقط من عدد الذين قتلوا في فيتنام. أفغانستان ليست العراق، وبتأكيد أكبر ليست فيتنام. وفي حرب عمرها الآن عقد من الزمان، فإن أميركا تبدو قد تعلمت كيف تحافظ على جنودها.
الأمور الأخرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار، هي وضع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، فهو ليس سيئا لهذه الدرجة، وفي وقت من الأوقات قبل سنوات قليلة، كنا نبحث عن «قرضاي عراقي». وهناك شيء آخر، وهو أن أفغانستان لم تكن كذلك بلا حكومة مستقرة على الدوام.
فالبريطانيون حققوا أهدافهم فيها بين العامين 1878 و1919، حيث منعوا الفوضى وحققوا الأمن. ورغم كارثة الروس المخيفة هناك، فإنها حققت لنا تعاونا غير مسبوق بين الصين وباكستان والعرب وأميركا، لمساعدة طالبان على هزيمة الروس، وليس هناك تعاون مشابه الآن.
ومسألة اتهامنا بتراجع اهتمامنا بالحرب، لا تفسر التزايد الحادث في أعمال العنف هناك. كانت أفغانستان هادئة، عندما كان العراق مشتعلا ويستنفد منا كميات كبيرة من المال والرجال. الآن وبشكل غريب يحدث العكس.
نسينا أن المتشددين قد خسروا في العراق، وهذا نجاح ويجب ألا نتوقف. وهناك تناقضات الإدارة الأميركية. فقد تشدق الرئيس أوباما كثيرا بثنائية الحرب النبيلة والحرب القذرة، ولكن أمره انكشف في العام 2009. فقد تعهد عام 2007 بإنهاء الحرب غير الضرورية التي بدأها بوش، لكنه لم يفعل للآن.
كما أن هناك التخبط الدبلوماسي، حيث أطلقت التصريحات المتناقضة على مدى 18 شهرا عن حل مشكلة أفغانستان. وهناك صلاحيات أوباما التي لم يتمتع بها بوش.
وأخيرا يبقى أنه ليس أمامنا خيار آخر غير النصر، فالفشل سيعيد إحياء التطرف كما حدث لدى هزيمة الروس، وستكون له انعكاسات على كل شيء، بدءا من تحقيق الهدوء في العراق، إلى برنامج إيران النووي، إلى الوضع التركي، إلى فرص حدوث هجمات إرهابية جديدة داخل الولايات المتحدة.لذلك فإن الذين يطالبون بالانسحاب من أفغانستان، يرتكبون خطأ فادحا.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد
opinion@albayan.ae