هل كل كلمة تخرج من فم أحد «شيوخ الفقه» الديني، تعد فتوى دينية أم هي رأي شخصي؟ الحقيقة أن «القدسية» التي نجح الخطاب الديني في منطقتنا، على مدى عقود، في منحها لرموزه، جعلت المجتمع في الغالب يتعامل مع كل رأي يقول به فقيه أو واعظ، كما لو أنه «فتوى» دينية مقدسة لا يجوز نقاشها، ناهيك عن رفضها.

لم يكتف بعض أصحاب الفتاوى «الصرعات» الجديدة، بالقول بعدم جواز كشف المرأة شعرها ورقبتها أمام بنات جنسها في الحفلات والأعراس، باعتباره هذا الفعل مدخلاً من «مداخل الشيطان»، ولكنه زاد على ذلك بوصف الصحافيين الذين يرفضون كلامه بأنهم «جنود الشيطان»! انظر لهذه الإقصائية المتجذرة في وعي أحد أبرز نجوم الخطاب الديني في منطقتنا، إذ يضعك أمام خيارين فقط: إما أن تقبل بكلامه «المقدس»، أو أن تكون من «جنود الشيطان».

وتلك هي ثنائية «الجنة والنار» التي يحاول تأصيلها الخطاب الديني المستحدث في بلداننا الإسلامية؛ فإما أن تكون مع «الفتوى» فتكون مع أهل الجنة، أو ترفضها فينتهي بك المطاف مع أهل النار! ولولا أن صاحب الفتوى الجديدة يُشهد له بالزهد والاستقلالية في الرأي ـ مع اختلافنا الأكيد مع أغلب آرائه ـ لقلت إن فتواه الأخيرة ليست سوى «مؤامرة» ذكية لمزيد من التشويه والأذى!

فما كدنا نتجاوز الجدل العقيم حول فتوى إرضاع الكبير (من الخدم والسائقين)، حتى تأتينا فتوى جديدة بحرمة كشف المرأة لشعرها ورقبتها أمام بنات جنسها!

وإذا كان صاحب هذه الفتوى وأمثاله يسرحون ويمرحون ـ على راحتهم ـ في إصدار فتاوى متخلفة وجاهلة ينسبونها إلى الدين، ولا أحد يحاسبهم أو يوقفهم عند حد، فهل لمثلي أن يقول رأيه في مثل هذه «الفتاوى»؟ وإن كان هؤلاء يتمتعون بحرية التعبير وقول ما يشاؤون من فتاوى وآراء، فهل لي أيضاً أن أقول رأيي بنفس «الحماية» التي يجدها هؤلاء؟

صاحب الفتوى الجديدة يصف الصحافيين الذين يرفضون رأيه بأنهم «جنود الشيطان». أنا، والحمد لله على هذه الأنا، أقول إن كشف المرأة لشعرها أمام بنات جنسها، فعل إنساني طبيعي، ومن حق المرأة ـ أي امرأة ـ أن تختار بنفسها كيف تلبس في بيتها وأمام بنات جنسها.

ومن يعترض على كلامي السابق، خاصة من أصحاب الفكر الديني المتطرف، فهو من «إخوان الشيطان»! هذا رأيي وأنا حر فيه! ما الذي يجيز للواعظ أن يقول رأيه ويحرمني من قول رأيي؟ إذن، نحن الآن أمام فريقين: فريق من «جنود الشيطان»، وفريق آخر من «إخوان الشيطان»، فمن بقي بعد ذلك؟

المجتمع ـ كما نعرف ـ يتشكل من تيارات فكرية متنوعة، والفقيه المتطرف في فكره، مثله مثل صاحب الرأي المخالف، هما من نتاج ثقافة مشتركة ومجتمع واحد، تلك حقيقة. وهناك حقيقة أخرى، مفادها نهاية عصر احتكار «الحقيقة» وإقصاء الرأي الآخر.

فإن تمنع الكاتب (أي كاتب)، تعسفاً وظلماً، من الكتابة في صحافة بلاده، فأمامه ألف منبر آخر للكتابة وإبداء الرأي والتواصل مع من يهمه رأيه. هذه حقيقة جديدة، يبدو أن بعض أصحاب الفتاوى والنفوذ لا يدركونها بعد. انتهى عملياً عهد احتكار الرأي وفرض الفكر الواحد. لم يعد في الإمكان قمع الصوت الذي يناقش أو يجادل في تلك الآراء أو الفتاوى.

لكن هل يعي هؤلاء وأمثالهم، في عصر انتهت فيه أحادية الرأي، حجم الأذى والتشويه الذي تتركه آراؤهم ـ فتاويهم ـ الغريبة تلك على الإسلام والمسلمين؟ هل يدركون أن الإسلام اليوم أصبح «أضحوكة» في الإعلام الدولي، بفعل مثل هذا الإفتاءات والآراء؟ وهل يعون أن كثيرا من المسلمين الشباب، خاصة في الغرب، بدأ (بفعل الحرج الذي تسببه لهم الآراء التي يقول بها أمثال هؤلاء) يخجل، وربما يتبرأ، من انتمائه الديني؟

كم يخجلني، كمسلم، أن يحتفل العالم كله بمنجز إنساني ضخم مثل كأس العالم، في الوقت الذي ننشغل فيه هنا بأفكار متطرفة تدعو للعنف والتكفير، أو آراء فقهية مختلقة أو مخترقة تحرم على المرأة كشف شعرها أمام بنات جنسها في الأعراس ومناسبات الفرح.

وكم يخجلني، كمسلم، أن يحتفي العالم المتحضر كل يوم بمنجز علمي وطبي جديد، في الوقت الذي ننشغل نحن فيه بمثل فتاوى إرضاع الكبير وحرمة كشف المرأة شعرها أمام بنات جنسها.

وكم يؤسفني أيضاً، أن تمنع أصوات وطنية إصلاحية مهمة من الكتابة في صحافة بلادها، فلا تناصرها أي من مؤسسات النفاق تلك التي تدعي دفاعها عن الحقوق المهنية والإنسانية، وفي الوقت نفسه تنشغل الساحة كلها بما يقوله بعض «مشايخ» التعصب والإقصاء!

فعلاً.. إنه عصر «المهازل الكبرى». وإن لم تنته مثل هذه المهازل في بلداننا، فلا نستبعد أن يأتي اليوم الذي يخجل فيه الشاب المسلم من دينه ومن ثقافته وأهله.. وأرض الله واسعة!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu