شهد الأسبوع المنصرم بعض التدخلات في مجال الحريات الصحافية في السودان، مما أثار كثيراً من الجدل والقلق حول مستقبل الحريات في ظل الحكومة المنتخبة حديثاً. فقد اعتقد البعض بأن هذه الحكومة ذات الأغلبية المطلقة التي تقارب الإجماع، لن تأبه بنقد الصحف وأجهزة الإعلام.
يضاف إلى ذلك، أن كثيرا من الصحف تحسب كموالية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم. ولهذه الأسباب كانت قرارات التوقيف والتعطيل بمثابة المفاجأة أو الصدمة. وجاءت القرارات لكي تبشر بأن الفترة المقبلة، على الأقل حتى إجراء الاستفتاء، ستكون تحت سيطرة استثنائية فترة طوارئ حقيقية.
وقد عبّر الرئيس عن هذا الوضع، معلقاً على تعطيل صحيفة «الانتباهة»، من خلال توجيه يقول بأن تكون الرقابة الأمنية القبلية التي عادت لكافة الصحف منذ 6 يوليو، وفقا للدستور والقانون وحماية لهما.
وتعهد بحماية كافة الأجهزة الإعلامية والتعاون التام معها لأداء رسالتها خلال المرحلة المقبلة، ومنع التشويش، في هذه المرحلة الحساسة من عمر السودان، ودعا إلى ضرورة اتساق الخطاب السياسي والإعلامي في تعزيز خيار الوحدة. وسرعان ما أطلق الإعلام الرسمي شعار «الحريات الصحافية ومطلوبات المرحلة»، على السياسة المقبلة في التعامل مع الإعلام.
تعتبر الحريات الصحافية من أهم معايير قياس «الدمقرطة» في أي مجتمع، وقد اكتسبت هذه الأهمية لارتباطها بحرية التعبير عموما. ومن ناحية أخرى، تظل علاقة النظم ناقصة الديمقراطية متوترة دائما مع الصحافة والإعلام المستقلين.
فمثل هذه النظم ترى أن العالم الخارجي يراها من خلال ما تكتبه هذه الصحف، ولذلك تعمل على تقييدها وتطويعها حسب سياساتها.
وهناك باستمرار علاقة مرتبكة بين النظم الشمولية والساعية للانتقال من الشمولية، وبين قضية الحريات الصحافية، فهي تتحدث دائماً عن «هامش الحرية»، وهذا يعني ضمناً وجود حدود ـ غالبا ما تكون ضيقة ـ لا تتصور أن الصحافة يمكن أن تتجاوزها.
وهنا تبدأ لعبة القط والفأر بين السلطة والصحافة، مما يهدد استقرار الصحافة وتطورها. وقد سادت في السودان لفترة فكرة «الرقابة القبلية»، وتعودت الصحافة على وجود رقيب أو رئيس تحرير من الخارج، هو الذي يحدد ما يمكن أن ينشر أو يحذف.
ويمكن في آخر لحظة ألا تصدر الصحيفة، ليس بسبب المنع، ولكن لأسباب فنية. لأنه من ناحية عملية، بعد سحب مقالات في اللحظات الأخيرة، لا يمكن تعويضها واللحاق بالمطبعة.
وبعد صراع واحتجاجات توقفت الرقابة القبلية قبل الانتخابات، ولكنها أصبحت رقابة ذاتية، بعد أن تم تحميل رؤساء التحرير مسؤولية ظهور أي موضوعات خارجة عن الخط العام.
وللمفارقة، كانت الرقابة الذاتية أكثر قسوة، وكادت أن تعطل العمل الصحافي. ولكن أجواء الانتخابات أعادت للصحافة بعض حيويتها، وإن صاحب ذلك ظهور عدد من الصحف الغامضة.
مثلت قرارات الأسبوع الماضي صدمة كبيرة للكثيرين، من حيث عدد الصحف التي تأثرت بالقرارات، والجهة التي أصدرت القرارات، ثم مبررات اتخاذها، ولم يكن هناك من يتوقع أن تصدر القرارات من السلطات الأمنية. ففي يوم الثلاثاء 6/7 علقت السلطات الأمنية صدور صحيفة «الانتباهة» إلى أجل غير مسمى.
وكانت قد أوقفتها في اليوم السابق عن الطباعة، بجانب صحف: «الاحداث، أخبار اليوم، التيار والحرة». وجاء في حيثيات القرار، أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني، يبدي أسفه لعدم التزام عدد من الصحف السياسية اليومية بالمهنية في عرض القضايا الوطنية والجنوح للإثارة الرخيصة، دون وعي، مما يتسبب في تشويه سمعة السودان، وعدم مراعاة حق الجمهور في الحصول على المعلومات الصحيحة (صحيفة «الاحداث» ـ 201077).
وأوضح مدير إدارة الإعلام في جهاز الأمن والمخابرات، أن القرار يأتي في سياق تحجيم الدور السالب الذي تقوم به صحيفة «الانتباهة» في تقوية الاتجاهات الانفصالية في الجنوب والشمال، مما يتعارض مع الدستور واتفاقية السلام الشامل التي تحض على دعم خيار الوحدة ونبذ الدعوة للانفصال.
وهنا طرح صاحب صحيفة «الانتباهة» سؤالا منطقيا، ولكن الغريب أن يأتي منه، إذ قال إن الصحيفة تصدر منذ أربع سنوات بنفس الخط واللغة، فلماذا لم تتعرض للإيقاف إلا الآن؟ ورد مدير إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، بأن ميثاق الشرف الصحافي الموقع عليه من رؤساء التحرير.
دعا كافة وسائل الإعلام إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة، وعدم إثارة الكراهية الدينية أو العرقية أو العنصرية أو الثقافية أو الدعوة إلى العنف أو الحرب.
أعتقد بأن السؤال لم تتم الإجابة عنه، لأن «الانتباهة» لم تصدر اليوم. ولكن يبدو أن المؤتمر الوطني بعد الاجتماعات الأخيرة المطولة بين سلفا كير وعلي عثمان محمد طه، اتجه في اللحظات الأخيرة نحو العمل من أجل الوحدة الجاذبة.
وليس من المستبعد أن يكون الاجتماع قد ناقش ما يكتبه الطيب مصطفي وفرقته. وأكاد أتصور أن الجنوبيين قد قالوا بالحرف: ليس من الممكن أن يسمح حزب يسعى إلى الوحدة، بكتابة مثل هذا الكلام! وتم تكليف جهاز الأمن بإجراء اللازم.
وهذه مرحلة خطرة دخل فيها المؤتمر الوطني بعد الانتخابات، فهو ـ وفق قوله ـ يعمل حسب تفويض شعبي، مما يطلق يده دون أية معارضة محتملة ستحسب بأنها ضد الشرعية.
ولأن ظروف السودان خلال الأشهر المقبلة ستكون استثنائية، يمكن للنظام أن يستعين بكل الأجهزة. وكان الخوف باستمرار أن يستعين نظام منتخب بجهاز الأمن، على حساب البرلمان ومجلس الوزراء والمؤسسات الأخرى.
فقد تساءل البعض؛ ألم يكن من الممكن أن يقوم مجلس الصحافة أو وزير العدل بهذه المهمة؟ والجواب أنه لا يمكن، لسبب بسيط، هو أن قضايا مثل الوحدة ليست قضايا سياسية، بل أمنية على الصعيد الأول.
تحتاج الفترة الحالية، وهي حقبة تقرير المصير، إلى عمل سياسي كأولوية تتكامل مع يقظة أمنية، يقوم بها جهاز الأمن ليدعم العمل السياسي وليس العكس. إذ من المؤكد أن موضوع الوحدة والانفصال، يحتاج إلى نقاش ومصارحة ونقد متبادل.
حقيقة لم تكن «الانتباهة» تقوم بذلك، وكان يجب من البداية عدم التصريح لمثل هذه الصحف الصفراء التي لا تحترم الحريات. ولكن إغلاقها بهذه الطريقة يجعلها تقدم نفسها كضحية للحرية الصحافية. والخوف أن تغلب الحلول الأمنية في المرحلة المقبلة في مواجهة كل القضايا، ونعود إلى المربع الأول.
وبالتأكيد نحن في أشد الحاجة إلى الحس الأمني، لأن كثيراً من التدخلات الخطرة سوف تواجه البلاد، والخطر حقيقي وليس متخيلا. ولكن لا بد من حماية التحول الديمقراطي، والخروج من المواجهات التي أنتجتها الانتخابات.
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
