معروف تاريخياً أنه لم يحدث أن حصل تدخل أميركي خارج الحدود الأميركية، إلا وكان مفعماً بالكوارث والأزمات الدولية ذات الطبيعة المزمنة.
الأمثلة والشواهد والوقائع كثيرة وثابتة، وماثلة للعيان أمام الأجيال البشرية. التدخل الأميركي في شبه الجزيرة الكورية، وإن كان له ما يبرره (!) راح ضحيته الكثير من الخسائر البشرية والمادية.
بعد أكثر من نصف قرن من السنين، لا تزال الأوضاع السياسية تتفاقم بين الشقيقتين الكوريتين. قريباً من شبه الجزيرة الكورية، فالتدخل الأميركي في فيتنام عانت من تبعاته المنطقة هناك والعالم القريب حول منطقة الهند الصينية، وحتى البعيد، وعلى مدى عقود.
في منطقة البحر الكاريبي وأميركا الوسطى، فالأزمة الكوبية لم تزل مستعصية متفاقمة، ولا يوجد هنالك بريق أمل لحل جذري ينهي المعضلة في العلاقات الإقليمية والدولية. ملايين الكوبيين يعانون حصاراً عليهم، مستمراً منذ نصف قرن تقريباً.
الأمر ذاته ينسحب على السياسة الخارجية الأميركية اتجاه دول أميركا الوسطى والجنوبية، الخارجة على السياسة الخارجية الأميركية. هنالك حكومات وشعوب تظل تكتوي بنار العلاقات الخارجية مع الولايات المتحدة. السبب هو محاولات تلك الدول الحصول على استقلال حقيقي، سياسي اقتصادي ثقافي واجتماعي.
في إفريقيا، وبالذات منطقة القرن الإفريقي، هنالك وجه آخر شديد القتام. تساعد السياسة الخارجية الأميركية في خلق بؤر توتر وفوضى وحروب أهلية في المنطقة، تهدد السلم المحلي الوطني والإقليمي والدولي.
حديثاً جداً، فالتدخل الأميركي في السودان يتصاعد وينذر المنطقة بتغييرات جيواستراتيجية. هذه التغييرات تدق ناقوس الخطر على رؤوس عشرات الملايين من البشر، خاصة في منطقة شمالي منبع نهر النيل.
في ذلك يمكن القول، وبشكل لا لُبس فيه، أنه لا يوجد في السياسة الأميركية الخارجية اتجاه أهل المنطقة، ما يدعو للتفاؤل أو الاسترخاء العقلي والعصبي.
تقليدياً، فالشرق الأوسط نال وينال النصيب الأكبر من شؤم منهجية ومسار السياسة الخارجية الأميركية. القضية الفلسطينية تحولت إلى مأساة مزمنة، وكابوس يقض مضاجع ملايين البشر حول الكيان الإسرائيلي. بالذات، وعلى سبيل المثال الأنموذج، فالسلطة الفلسطينية التي تعوّل كثيراً على حسن نوايا الإدارات الأميركية المتعاقبة، تحولت إلى جسم مشلول.
جسم مشلول ينتظر عوناً أو مساعدة، من هنا أو هناك وبكافة الأشكال. في الجوار، الوضع السياسي والأمني في لبنان يراوح مكانه، ولا يقل تعاسة وشؤماً. السياسة الخارجية الأميركية اتجاه لبنان، تنظر إلى الشعب اللبناني كفئات متصارعة، بشكل بارد أو ساخن، يمكن التحكم فيها حسب «مؤشر» المصالح الأميركية.
المنهجية السياسية الأميركية اتجاه إيران، تخلق استقطاباً وتوتراً عرقياً ومذهبياً وسياسياً بين أهل المنطقة. سكان هذه المنطقة أناس محكومون بظروف التعايش السلمي الحضاري، بحكم التاريخ والجغرافيا والمعتقدات وتطور الحضارات.
كالعادة، تتركز المنهجية الأميركية في التعامل مع عشرات الملايين من البشر، على الوعيد والتهديد واستخدام القوة وفرض أنواع لا حصر لها من الحصار. لا تتوانى عن استخدام هذه الأساليب الإرهابية، وحتى الوحشية لابتزاز حكومات وشعوب المنطقة.
أفغانستان والعراق هما آخر شكلين للتدخل، بل التورط السياسي والعسكري الأميركي في الخارج. لا يخفى على أحد الآن مدى عمق الجراح في الشعبين الأفغاني والعراقي، والشعوب المجاورة.
الشعب الباكستاني مثلاً، يدفع غالياً ثمن السياسة الخارجية اتجاه أفغانستان المجاورة. في مجمل الأوضاع هنالك خسائر بشرية ومادية ومعنوية، ستظل المنطقة تعاني من جرائها وإلى أمد بعيد.
الدروس المستفادة من حالة شؤم وإخفاقات السياسة الأميركية الخارجية كثيرة. بالذات، مفاد تلك الدروس أن الركون إلى الخارج عموماً، والأميركي خصوصاً، لتقديم حل يرضي كافة الأطراف المتقارعة، هو في حكم المتعذر.
السياسة الأميركية الخارجية لا تبالي بأحوال ومصائر الشعوب، وهي لم توضع أصلاً لخدمة أو إرضاء الغير. جل الاهتمام الأميركي منصب على تأمين المصالح الأميركية، بغض النظر عن التبعات. السياسة الخارجية الأميركية مبنية على الأطماع المادية والمعنوية والسياسية والعسكرية والجيوستراتيجية.
آن الأوان لجميع المعنيين أن يقوموا بحل مشاكلهم بأيديهم، وتقليل التعويل على المصادر الخارجية أياً كانت.
جامعة الإمارات
Nasrin@uaeu.ac.ae