سلط الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية» في مايو الماضي، الأضواء على تركيا وأدوارها الجديدة، التي أخذت تلعبها منذ وقت غير قصير تحت قيادة الإسلاميين الاتراك.
فمن رعاية مفاوضات غير مباشرة وسرية بين سوريا وإسرائيل، إلى الأدوار المتزايدة الأهمية في النزاعات الاقليمية، ابتداء من القوقاز وانتهاء بالدور البارز في أزمة الملف النووي الإيراني مؤخراً، باتت تركيا نموذجا يملك سماته الخاصة، ويستقطب الباحثين والمحللين لمحاولة الإحاطة بالتغيرات التي طرأت على دور هذه الدولة في ظل قيادة الإسلاميين.
لكن من وجهة نظري، فإن نموذج حكم الإسلاميين الأتراك المنضوين في حزب العدالة والتنمية، هو ما يستحق الدراسة والتحليل، لأنه نموذج أثبت نجاحا فاق التوقعات، في بلد ظل يشهد صراعا شرسا بين الجيش وقوى المجتمع، دفع تركيا دوما للتأرجح بين حكم العسكر والحكم المدني، ناهيك عن مزيج من الصراعات الاثنية والسياسية، وتوتر تاريخي مع جميع دول الجوار تقريبا.
لقد ورث الإسلاميون الاتراك لدى تسلمهم الحكم عام 2002، مشكلات مزمنة لا حصر لها. فمن الوضع الاقتصادي، إلى التوتر التاريخي الذي طبع العلاقة بين الإسلاميين والجيش، إلى تبعات الطموح التركي بالانضمام للاتحاد الأوروبي، إلى المشكلات مع الجوار الإقليمي.
والاهم من ذلك، ان هذا كله يكون مضافا اليه تربص الجيش وطابع الحذر والتوتر الذي يطبع علاقتهم معه (وبقية الخصوم السياسيين إلى حد ما) جعلهم تحت الضغط. فما الذي قادهم إلى هذا النجاح بحيث حيدوا الجيش التركي إلى حد كبير ونالوا ثقة الناخبين الاتراك من جديد في انتخابات ثانية؟
الآن، بعد كل هذه السنوات في الحكم، أصبح لدى الإسلاميين الاتراك سجل واضح للمقارنة مع بقية الإسلاميين في الدول العربية. سجل من النجاح جذب العديد من المعجبين من خارج الأوساط الإسلامية ايضا. فما هي وصفة النجاح التي اعتمدها الإسلاميون الأتراك من قادة حزب العدالة والتنمية، وجعلتهم يحققون هذا النجاح اللافت؟
لقد تحاشى الإسلاميون الاتراك كل ما ينجر اليه الإسلاميون في الدول العربية من معارك، سواء تلك التي يخوضونها بوعي مسبق أو التي ينجرون إليها بدفع من الخصوم. الأهم أنهم قدموا تجربة مغايرة لتجربة حكم نجم الدين اربكان، الذي لم يقدم سوى تجربة تقليدية لحزب إسلامي يصل الحكم.
العنصر الأول في تجربة قادة حزب العدالة والتنمية، هو حرصهم الشديد على وحدة بلادهم، والترجمة العملية لهذا المسعى تتمثل أساسا في الحرص على تجنب أي استفزاز للجيش والخصوم السياسيين، وتجنب الدخول في معارك غير ضرورية ولا داعي لها.
فعلى العكس من الإسلاميين في دول عربية، تجنب الإسلاميون الأتراك الدخول في ذلك النوع من المعارك الرمزية، ان صحت التسمية. معارك مثل معارك «الحجاب» و»الاختلاط»، التي غالبا ما تفجر انقسامات حادة في المجتمع.
وعلى هذا، لم يأخذ أسلوب قادة حزب العدالة والتنمية في الحكم، بذلك النوع من العناد والاصرار على الانتصار في معارك مفتعلة أو هامشية، بل على العكس، تفادوا أكثر من مرة استفزازات من الجيش ومن الخصوم السياسيين، لخوض معارك من هذا النوع، أشهرها تلك المتعلقة بزوجاتهم وبناتهم.
فمن المراسم المتعلقة بمرافقة زوجاتهم المحجبات في الاحتفالات الرسمية حيث فضلوا عدم مرافقتهن، إلى قيام رجب طيب أردوغان بإرسال ابنتيه المحجبتين للدراسة في الولايات المتحدة.
إلى الامتناع عن فرض قوانين في البرلمان، رغم تمتع الإسلاميين بالغالبية اللازمة لتمريرها، يبرز أسلوب فريد لقادة إسلاميين يتمتعون بذكاء عملي، ورؤية ناضجة تتميز بإحساس عال بالمسؤولية.
إن أسلوب إسلاميي حزب العدالة والتنمية في الحكم، جاء دوما مخالفا للتوقعات والتنميط الذي يتعلق بالإسلاميين وخياراتهم في الحكم والسياسة. لم يقتصر هذا على الداخل فحسب، بل في السياسة الخارجية والخيارات الرئيسية لتركيا، اقليميا ودوليا.
فلقد أبقى قادة حزب العدالة والتنمية على خيار الانهضام إلى الاتحاد الأوروبي، على العكس مما كان متوقعا، بل وبشكل مغاير تماما لما قام به نجم الدين اربكان عندما كان في الحكم، بتفضيله خيار التوجه شرقا بتحالف اقتصادي وسياسي مع دول إسلامية من ضمنها إيران.
أما العلاقة مع إسرائيل، فانها تكشف عبر السنوات القليلة الماضية عن المهارة التي ابداها الإسلاميون الاتراك، في التعامل مع هذا التحدي الشائك لحزب إسلامي يتربص به الجيش وينتظر أي خطأ منه، ولو كان هفوة.
فمن ربط العلاقات مع إسرائيل بتقدم عملية السلام، إلى لعب دور الوسيط بينها وسوريا، وحادثة انسحاب اردوغان من المقابلة التلفزيونية التي جمعته مع شمعون بيريز على هامش منتدى دافوس، وصولا إلى الهجوم على «اسطول الحرية»..
يوضح مدى مهارة الإسلاميين الاتراك في التعامل مع هذه العلاقة الشائكة. يزيد في هذا أن العلاقة مع اسرائيل هي ملف في يد الجيش أساسا، لكن قادة حزب العدالة والتنمية لعبوا في الهامش المتاح لهم كحكومة، بطريقة استطاعوا فيها كسب الرأي العام التركي وتحييد الجيش إلى حد كبير.
لكن عنصرا أساسيا، من عناصر نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية، يعود بلا شك إلى انجازاتهم الاقتصادية. فلقد جاؤوا إلى الحكم ببرنامج اقتصادي مدروس، استطاعوا من خلاله انعاش الاقتصاد التركي ودفعه إلى تحقيق معدلات نمو جيدة.
هكذا يتبين أن الإسلاميين الاتراك لم ينجحوا في تحقيق هذا السجل من النجاح، الا عبر تفادي انماط التفكير التقليدية التي ترتبط عادة بإخوانهم في الدول العربية والإسلامية الأخرى، وتقديم مقاربات جديدة تقوم أساسا على تفادي الانقسام والمعارك الإعلامية، والابتعاد عن القسر، والتعامل بواقعية مع خيارات الحكم والسياسة ومعضلاتها.
كاتب وصحافي بحريني
m.alobaidley@gmail.com