على ما يبدو فإن ورطة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في أفغانستان تتطور وتستفحل، خاصة أمام شعوبهم التي بات يقلقها كثيرا استمرار قوات بلادها هناك، على بعد آلاف الأميال من الوطن بلا مبرر منطقي.
وتزداد الورطة اتساعا مع سقوط ضحايا وجرحى من القوات الأجنبية في أفغانستان، مع زيادة شراسة وقوة حركة طالبان وسيطرتها على العديد من المدن والأقاليم الأفغانية.
وعلى ما يبدو أيضا فإن قضية مكافحة الإرهاب في أفغانستان، أصبحت مستهلكة وغير مقنعة للشعب الأميركي وغيره من شعوب العالم، وبالتالي فإن الاعتراضات الشعبية سوف تتزايد والأنظمة الحاكمة سوف تواجه ضغوطا داخلية كثيرة، الأمر الذي يستلزم طرح مبررات لبقاء القوات الأجنبية في أفغانستان، تكون أكثر جاذبية للشعوب.
وقد تفتق ذهن وخيال الإدارة العسكرية الأميركية مؤخرا، عن فكرة ربما تكون جذابة أكثر وتعطي مبررا مقبولا ومشجعا للبقاء في أفغانستان، حيث كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية نقلا عن مصدر من وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون».
أن كميات كبيرة من المعادن تقدر قيمتها بتريليون دولار، تم اكتشافها في أفغانستان، وأن الجيولوجيين الأميركيين اكتشفوا هذه المناجم بما فيها مناجم للذهب، وذلك باستخدام خرائط قديمة كان الجيولوجيون السوفييت قد أعدوها.
ولم تستبعد الصحيفة إمكانية أن تجعل هذه الاكتشافات أفغانستان واحدة من الدول المزدهرة، وأسمتها «سعودية الليثيوم»، بالإشارة إلى الاحتياطيات الكبيرة لمعدن الليثيوم والتي تتوافر في أفغانستان بشكل يماثل توافر النفط في السعودية.
الخبر تناولته وسائل الإعلام العالمية ونشرته وفق خطة إعلامية محكمة، وجعلت منه الخبر الأول في نشرات الأخبار وصفحات الصحف في معظم بلدان العالم. ومضت الأيام ولم تعلن الإدارة الأميركية عن أية خطط أو نوايا عمل تجاه هذا الاكتشاف الكبير!
والحقيقة أنه ليس اكتشافا ولا كبيرا، بل هي معلومات قديمة تضمنتها تقارير لعلماء جيولوجيين روس، وهو ما ذكرته الدوائر الأميركية بالفعل، لكن ما لم تذكره هو أن العلماء الروس، وأيضا علماء وخبراء التنقيب عن المعادن والثروات الطبيعية في العديد من بلدان العالم.
لا يعطون أية قيمة تذكر لهذه الجبال الممتلئة بالثروات المعدنية، نظرا لصعوبة، وربما استحالة التنقيب هناك، بسبب الحالة الأمنية المتوترة دائما، وأيضا وهو الأهم، بسبب وعورة الطبيعة الجبلية التي تحتاج لاستثمارات باهظة وأعمال شاقة.
وإذا كان الاتحاد السوفيتي الذي اكتشف مكامن الثروات في هذه الجبال وسجلها في خرائط، وكان يملك سلطة الدولة والنظام الشمولي والإمكانيات والخبرة والعمالة الرخيصة، ولم يفكر في عمل أي خطوة في التنقيب في هذه الجبال، واكتفى بعمل خرائط لها.
وحتى لم يحتفظ بهذه الخرائط لنفسه كأسرار هامة يستخدمها فيما بعد، بل تركها في أدراج ودواليب المؤسسات الأفغانية المختصة، فهل من المعقول أن تأتي الشركات الأميركية الخاصة التي تبحث عن أعلى عائد بأقل مجهود، لتخوض في هذه الأعمال العملاقة وغير المضمونة النتائج؟!
الخبر الذي أطلقته وزارة الدفاع الأميركية، ربما يكون له تأثير عابر وسطحي على الشعب الأميركي، لكنه بالقطع غير مقنع للجهات المختصة، بدليل أنه لم يحدث أية تأثيرات تذكر على الأسعار في أسواق المعادن العالمية.
الأمر كما يقول المحلل الأفغاني فريد أحمد زاي، أن الهدف من إعلان اكتشاف كميات كبيرة من المعادن في أفغانستان، هو توفير الذريعة لبقاء القوات الأميركية في هذا البلد.
الولايات المتحدة دخلت أفغانستان في عام 2001، بحجة القبض على أسامة بن لادن، العقل المدبر وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية.
ولكن، هل يعقل أن يجري البحث عن مجرم بهذه الخطورة لسنوات طويلة، في مكان واحد محدد ومفتوح يستطيع هذا المجرم الدخول والخروج منه وقتما يشاء؟ ثم تركوا بن لادن وتوجهوا نحو طالبان، والآن يسعون للتفاوض مع طالبان، ويخرجون علينا بفكرة جبل الثروات المعدنية الهائلة، وربما يخرجون علينا فيما بعد بمبررات أخرى لبقائهم في أفغانستان!
لقد أصبح واضحا للمجتمع الدولي، أن مكافحة الإرهاب شيء وما يفعله الأميركيون شيء آخر. فلقد تدهور الوضع في أفغانستان إلى أقصى حد، بينما بلغ الفساد ذروته، وارتفع إنتاج المخدرات 45 مرة منذ دخول القوات الأميركية.
كاتب أوكراني
vladi1949@mail.ru