اختلف فقهاء السياسة، على ما إذا كان الرأي العام ـ هذا المصطلح العجيب ـ ساذجاً، أم ذكياً، بمعنى إن كان الوعي الجمعي منسجماً مع المصلحة الخاصة والعامة على حد سواء، أم أن الوعي المستورد أو الوهم المتسرب من مصادر الوعي الخارجي، هو الذي يصوغ أولويات المجتمع وأهداف مسيرته؟!

ولأن خير البراهين دوماً الاعتراف، فإن اعتبار قناة «سي إن إن» هي مصدر المعلومات الأول، أو هي التي تطبع الرأي العام الأميركي بموقفها، ونحن هنا نتحدث عن شعب تفرض حكومته سيطرتها على معظم أصقاع الأرض، فإن النتيجة المتسرعة تقود إلى اعتبار الرأي العام الأميركي ساذجاً..

هذا من زاوية نظرنا نحن، لكن من جهتهم فإن الرأي العام الأميركي في منتهى الذكاء، لأنه يخصص طاقته وتركيزه على قضاياه الداخلية والمعيشية، فهو حاذق تماماً في قضايا الضرائب والتأمينات الصحية والاجتماعية، وليس بمقدور «سي إن إن» ولا «فوكس نيوز» خداعه في هذه المجالات.

في أوروبا، الوضع مختلف قليلاً، فهذه القارة هي التي صدرت للعالم فكرة القومية، وبالتالي فالرأي العام لدى شعوبها يدور ـ خفية أو علانية ـ في فلك التفوق على الآخر، وافتراض جهل العوالم الأخرى مقارنة بالعالم الأول، على افتراض التحاقهم بهذا العالم.

لديهم هناك رأي عام غير منسجم مع حقيقته، ففكرة التفوق هذه تجر الشارع إلى الوهم، وتصبح نقطة إرجاع خادعة، تشف عن أزمات اقتصادية وسياسية وحتى فضائحية، ليرجع الناخب مثلاً يضرب كفا بكف على خيار ما اتخذه تجاه قضية عامة داخلية، أو خارجية كالمشاركة في حرب ما. الرأي العام الأوروبي يتميز عن الأميركي في أنه أكثر تحرراً من عبودية متطلبات المعيشة، وتأثير جماعات الضغط «اللوبيات» وماكيناتهم الإعلامية، لكنه أيضاً لا يخلو من ذكاء، فهو مثقف ومواكب لما يحدث في العالم من حوله، وبإمكانه بلورة موقف.

كل ما ذكر صحيح، لكن ألا يمكن خداع الرأي العام الأوروبي؟

بالتأكيد يمكن ذلك وأكثر.

عندما تتحدث إلى أوروبي، تلمس لديه ازدراءً خفياً للشخصية الأميركية، على أساس أن المجتمع في الولايات المتحدة تشكل من مهاجرين رعاع، أو لصوص هاربين من التاج البريطاني أو مغامرين باحثين عن الذهب، وتالياً لا عمق حضارياً تأسس عليه هذا المجتمع، في حين مرت المجتمعات الأوروبية وعبرت سلسلة تراكمية من الحقب، بدأت بعصور الجهالة والظلام وانتهت بأنوار الثورة الصناعية، وعلى هذا فإنه حتى أرصفة الشوارع تختزن ذاكرة حضارية، بينما يفوح من الشرفات عبق تاريخي.

حسنا، إذا كان الأمر كذلك فلماذا إذاً لم تستطع المجتمعات الأوروبية تجسيد هوية موحدة، وثقافة مضادة للوجبات السريعة الأميركية؟ أو لماذا لم يكن في وسع الرأي العام الأوروبي تشكيل قوة ضاغطة على حكومات القارة/ لتتخذ موقفاً مغايراً لما يريده العم سام من القضايا الخارجية؟ إذاً، هو ليس ذكياً تماماً.

لا بأس، وصلنا إلى حجر المجن: انتهت مباريات كأس العالم، فأي فراغ سيعانيه الرأي العام العربي.. فلا باولو روسي ينجده بهزيمته القاسية للبرازيل في 1982 عندما كانت بيروت تذبح، ولا فوز مصر بالكأس الإفريقية بالتزامن مع مجزرة بيت حانون.

كيف سيملأ الفراغ في أحباله الصوتية التي لم تكتمل؟!

Adonis02@hotmail.com