ما كنت سأتحمس للكتابة في هذا الموضوع، لولا المقال الذي كتبه الصديق الدكتور سليمان الهتلان في جريدة «البيان» يوم الأربعاء الماضي، تحت عنوان «راقصة خليجي»، منتقدا تراقص بعض الرجال بميوعة في جلسات «الوناسة» الخليجية، التي تبثها بعض الفضائيات العربية وكأنها نتاج ثقافي طبيعي لمجتمعات الخليج.
حيث لم يَعُدْ إفساد الذوق العام مسألة خليجية فقط، وإنما هو مسألة عربية تعكس واقع الأمة المتردي، الذي يمثل الفن واحدا من مظاهره التي تعبر عن حالة عامة تبدأ من قمة الهرم المتمثلة في خطاب النخبة السياسية، ولا تقف عند النكتة التي يتبادلها المواطنون العاديون في الشارع لينفسوا عما يشعرون به من قهر وإحباط.
وكي لا نوغل في حديث ربما يبدو مملا ومكررا لا طائل من ورائه، نعود إلى الحديث عن الفن الذي فتح موضوعه صديقنا الدكتور الهتلان، ولكن مع توسيع الدائرة لتشمل مساحة أكبر من الوطن العربي، ملغين بذلك نظرية المركز والأطراف التي تجاوزها الزمن.
كانت السيارة تتوقف بنا أكثر مما تتحرك في شوارع القاهرة المعروفة بازدحامها، عندما أراد صديقنا طارق الذي يتولى مهمة القيادة وسط هذا الزحام بمهارة وصبر نحسده عليهما، أن يخفف عنا قليلا، فأدار جهاز التسجيل ليصدمنا صوت لا أستطيع أن أسمي صاحبه مطربا، لأن للإطراب مواصفات لا يملكها صاحب ذلك الصوت الذي انطلق مرددا في شاعرية مصطنعة: «أناااا مش خُرُنْج.. لا.. لا.. لا.. أنا كنج كونج..
ده أنا وأنا رابط إيدي.. بلعب بنج بونج...».. كلمات سوقية، أرحم منها بكثير تلك الكلمات التي كان يغنيها المطرب الشعبي أحمد عدوية في السبعينيات من القرن الماضي، عندما ووجه بهجوم شديد من قبل مطربي وشعراء وأدباء تلك المرحلة، الذين وصفوا أغانيه بالإسفاف واتهموه بإفساد الذوق العام، وتم منع أغانيه من البث في وسائل الإعلام التي كانت كلها رسمية في تلك الأيام، رغم أنها تبدو في قمة الأدب والذوق إذا ما قورنت بكلمات أغاني هذه الأيام وأصوات «زاعقي» هذه المرحلة، الذين لا يمكن تحت أي بند تسميتهم مطربين، لأن أصواتهم وكلمات الأغاني التي يؤدونها تخدش الآذان والحياء، بل وتسمم الهواء.
وما يقال عن الغناء ينطبق أيضا على بقية الفنون، وليس أدل على هذا من السينما التي انحدرت إلى الحضيض، وأخذت تتحفنا بمن أصبحوا يطلقون على أنفسهم نجوما، رغم أنهم لا يمتلكون من صفات النجومية، ولا حتى التمثيل، الحد الأدنى الذي يعطيهم الحق في مجرد الانتساب إلى هذا الفن الجميل.
والدليل على ذلك فيلم «اللمبي 8 جيجا» الذي يعرض هذه الأيام في دور السينما، من بطولة محمد سعد الذي يؤدي مجموعة من مشاهد التهريج التي لا ترقى بأي شكل من الأشكال إلى التمثيل، ومع ذلك نقرأ كل يوم أنه يحقق أعلى الإيرادات، ليقف شاهدا على زمن الإسفاف الذي نعيشه ونتحدث ونكتب عنه.
الغريب أن بطل «اللمبي 8 جيجا»، إذا صح أن نطلق على ما يقوم به من تهريج بطولة، يقول في مقابلة أجرتها معه صحيفة «الشروق» المصرية (العدد 522 بتاريخ 7 يوليو 2010) إن «كل رجل مصري بداخله لمبي، وإذا نظرت لأي إنسان مقرب لك عندما ينزعج من شيء ويتعصب، ستجده لا يفرق شيئا عن اللمبي، فلماذا أُتّهَم بإفساد الذوق العام وهذه الشخصية بداخلنا جميعا؟س!
ونحن نربأ بالشعب المصري الذي قدم للأمة العربية شخصيات عظيمة في السياسة والعلم والأدب والثقافة والفن وغيرها، أن يكون داخل كل واحد منه شخصية هزلية مختلة عقليا ونفسيا، مثل اللمبي الذي نشاهده في أفلام محمد سعد.
والأغرب من هذا التصريح ما كتبته الناقدة الفنية «علا السعدني» في جريدة «الأهرام» المصرية (العدد 45138 بتاريخ 7 يوليو 2010)، منتقدة الفيلم الذي تعترف بأنه لم يضحكها إلا مرات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، ثم تضيف:
«الغريب أن الصالة كانت تعج بالضحك طوال الفيلم عمال على بطال، لدرجة أن البعض كان يضحك قبل أن يفتح سعد فمه وينطق بأي كلمة، وكأنهم كانوا مبرمجين على الضحك مسبقا، وبمعني أنهم جايين وناويين على الضحك، وعندما دققت في الموجودين عرفت أنهم جميعا من العرب تقريبا، حيث إنهم هم الوحيدون الذين ما زالوا يضحكون على أفلام سعد، بينما المصريون فقدوا شهية الضحك على حركاته المكررة! ومن زمااان».
هذا الاتهام دفعني إلى مشاهدة الفيلم لأكتشف أنني «العربي» الوحيد في الصالة التي كانت تغص بالإخوة المصريين (باعتبار أن المصريين ليسوا عربا في مفهوم الأستاذة علا السعدني)، ثم أخرج بعد مشاهدة الفيلم، دون أن أسجل على أصابع يدي ضحكة واحدة من الضحكات الخمس التي سجلتها على يدها ناقدة جريدة الأهرام الفنية.
إفساد الذوق العام وصل أيضا إلى النكتة، التي طالما حسبناها تعبيرا عن حالة الاختناق التي يعيشها المواطن العربي في كافة مناحي الحياة؛ السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي وغيرها من المنغصات، فقد خرجت علينا بعض الفضائيات العربية مؤخرا، ببرامج يتبارى ضيوفها في إلقاء النكات التي كنا سنتقبلها برحابة صدر، بل وبفرح أيضا، لو أنها كانت نكات عادية تعبر عن همومنا والمأزق الذي نعيشه..
لكنها نكات من ذلك النوع المسف الذي يخدش الحياء والذوق، ولا يصح أن يقال حتى خلف الأبواب المغلقة، فما بالكم وهي تعرض على قنوات فضائية مفتوحة، تظل تعيد عرضها على مدار ساعات اليوم ليشاهدها الجميع من مختلف الأعمار والأجناس والفئات!
إنها ليست مجرد حالة إفساد للذوق العام، بل هي حالة تردٍّ عامٍّ في ظرف تاريخي اختفت فيه القيادات والرموز، ولم يبق في الساحة إلا هؤلاء «الخُرُنْج» الذين أصبحوا يتصدرون واجهة المجتمع ويتحكمون في أذواق الناس، بل وأرزاقهم لأنهم الأوفر حظا في زمننا هذا.
انظروا حولكم لتتأكدوا أننا نعيش زمن «الخرنج»، الذي أرجو أن تبحثوا عن معناه لتتأكدوا من صدق كلامي، مع الاعتذار لخدش آذانكم وأذواقكم ومشاعركم.
كاتب إماراتي
